محمد طاهر الكردي

306

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

يثرب مملكته فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق ، أن بيثرب استحكام أمره ، وأهل نصره ، وموضع قبره ، ولولا أني أقيه الآفات ، وأحذر عليه العاهات ، لأوطأت أسنان العرب كعبه ، ولأعليت على حداثة سنه ذكره ، ولكني صارف ذلك إليك ، عن غير تقصير بمن معك ، ثم أمر لكل رجل منهم بمائة من الإبل وعشرة أعبد ، وعشر إماء وعشرة أرطال ذهب ، وعشرة أرطال فضة وكرش مملؤة عنبرا ، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك ، ثم قال له : ائتني بخبره ، وما يكون من أمره عند رأس الحول ، فمات سيف بن ذي يزن من قبل أن يحول الحول . وكان عبد المطلب يقول : أيها الناس لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك فإنه إلى نفاد ، ولكن ليغبطني بما يبقي لي ولعقبي شرفه وذكره وفخره ، فإذا قيل له : وما ذاك ؟ يقول : ستعلمن ولو بعد حين ، وفي ذلك يقول أمية بن عبد شمس : جلبنا النصح نحقبها المطايا * إلى أكوار أجمال ونوق مفلفلة مراتعها تعالى * إلى صنعاء من فج عميق تؤم بنا ابن ذي يزن وتغري * ذوات بطونها أم الطريق ونرعى من مخايلها بروقا * مواقفة الوميض إلى بروق ولما وافقت صنعاء صارت * بدار الملك والحسب العريق قال أبو الوليد : وقد ذكر اللّه تعالى الفيل وما صنع بأصحابه ، فقال : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ إلى آخرها ، ولو لم ينطق القرآن به لكان في الأخبار المتواطئة والأشعار المتظاهرة في الجاهلية والإسلام حجة وبيان لشهرته وما كانت العرب تؤرخ به فكانوا يؤرخون في كتبهم وديونهم من سنة الفيل ، وفيها ولد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلم تزل قريش والعرب بمكة جميعا تؤرخ بعام الفيل ، ثم أرخت بعام الفجار ، ثم أرخت ببنيان الكعبة ، فلم تزل تؤرخ به حتى جاء اللّه بالإسلام فأرخ المسلمون من عام الهجرة ، ولقد بلغ من شهرة أمر الفيل وصنع اللّه بأصحابه واستفاضة ذلك فيهم حتى قالت عائشة رضي اللّه عنها على حداثة سنها : لقد رأيت قائد الفيل وسايسه أعميين ببطن مكة يستطعمان . وقد ذكر غير واحد من أحداث قريش أنه رآهما أعميين ، انتهى من الأزرقي . وسنعيد هنا في الصحيفة الآتية قصة الفيل في قالب أدبي إن شاء اللّه تعالى .