محمد طاهر الكردي
283
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
غيره فكيف يعرف شريعة من كان قبله ولم ينزل عليه الوحي بعد ؟ لكن لم يعرف عنه أنه ذهب ليتعلم عند أحد مطلقا وهو النبي الأمي الذي لم يأخذ إلا عن جبريل عليه الصلاة والسلام . فرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يتعبد قبل بعثه في غار حراء على الحق المبين بإلهام من اللّه سبحانه وتعالى فهو الهادي إلى سواء السبيل ، وإذا كان إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام قد آتاه اللّه الهدى والرشد قبل البلوغ كما جاء في قوله تعالى في سورة الأنبياء : وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ * إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ إلى آخر الآيات . وإذا كان أيضا يحيى عليه الصلاة والسلام آتاه اللّه الحكم وطبعه على التقوى وهو صبي كما جاء في قوله تعالى في سورة مريم : يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا . فإن نبينا محمدا سيد الرسل وخاتم الأنبياء صلى اللّه تعالى عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما ، قد آتاه اللّه الهدى والرشد ، وطبعه على التقوى ومكارم الأخلاق من حين الصبا ، فقد ورد : « أدبني ربي فأحسن تأديبي » ، ولقد ظهرت عليه دلائل النبوة وبشائر البعث منذ الصغر ، فقد روي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال : قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا رسول اللّه هل عبدت غير اللّه ؟ قال : لا . قيل : فهل شربت الخمر قط ؟ قال : لا . ثم قال : ما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان . ولقد كان عبد المطلب جد النبي صلى اللّه عليه وسلم يتوسم فيه أن يكون له من الشرف والمكانة السامية ما لم يكن لأحد ، فكان يحبه كثيرا حتى أنه لما جلس النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو غلام صغير يدرج على مفرش جده وأرادوا منعه من الجلوس على المفرش بكى ، فقال عبد المطلب : ما لابني يبكي ؟ قالوا له : إنه أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه . فقال عبد المطلب : دعوا ابني ، فإنه يحس بشرف أرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغ عربي قط . ا ه . وقد كان ذلك بفضل اللّه ورحمته . وحينما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبني مع قريش الكعبة قبل البعثة ، وينقل الحجارة معهم على رقبته وقد وضع على ظهره إزاره يتقي به فنودي : يا محمد عورتك ، فرمى بنفسه على الأرض من الفزع ، فأخذه العباس عبد المطلب فضمه إليه ، ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إني نهيت أن أتعرى .