محمد طاهر الكردي
284
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
ولما أجدبت الأرض وحصل القحط وهلكت المواشي ، قالت قريش لأبي طالب : استسق لنا ، فخرج أبو طالب بهم ومعهم محمد صلى اللّه عليه وسلم وهو غلام ، فلما صار بإزاء الكعبة ألصق النبي صلى اللّه عليه وسلم ظهره بالكعبة وصار يشير بإصبعه إلى السماء وما زال كذلك حتى أقبل السحاب من كل جهة وجاء اللّه بالمطر حتى أخصبت الأرض ، فأنشأ أبو طالب قصيدة طويلة في مدحه صلى اللّه عليه وسلم . منها : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل الثمال بالكسر : الملجأ والغياث . ولقد كان صلى اللّه عليه وسلم من صغره يبغض الأوثان ولا يحضر مع قومه أعيادهم وأصنامهم ، قال عليه الصلاة والسلام : " لما نشأت بغضت إليّ الأوثان وبغض إليّ الشعر ، ولم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين كل ذلك يحول اللّه بيني وبين ما أريد من ذلك ، ثم ما هممت بسوء بعدهما حتى أكرمني اللّه برسالته - قلت لغلام كان يرعى معي : لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر كما يسمر الشباب ، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة أسمع عزفا بالدفوف والمزامير لعرس بعضهم ، فجلست لذلك فضرب اللّه على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس ولم أقض شيئا ، ثم عراني مرة أخرى مثل ذلك " . ولم يكن بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخاف على أهل الكتاب من أحبار اليهود ورهبان النصارى وكان لهم فيه علامات ، وقصة بحيرا الراهب " بفتح الباء وكسر الحاء وآخره راء مقصورة " معه شهيرة في كتب السير نلخصها فيما يأتي : لما بلغ عليه الصلاة والسلام اثنتي عشرة سنة أراد عمه شقيق أبيه أبو طالب السفر إلى الشام للتجارة ، فخرج به معه للمرة الأولى فسار الركب حتى وصلوا قرية من قرى الشام وكان يسكنها راهب وهو بحيرا وكان ذا علم في النصرانية ، فنزلوا قريبا من صومعته واستظل النبي صلى اللّه عليه وسلم تحت شجرة فاخضرّت أغصانها وجاءت غمامة تظل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من بين القوم ، فلما رأى بحيرا الراهب ذلك نزل من صومعته وصنع لجميع الركب طعاما ، ثم أخذ بيد محمد النبي الكريم عليه الصلاة والسلام وجعل يسأله عن أشياء من حاله حتى نومه ، فجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخبره فيوافق ذلك ما لديه من العلم ، ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على الصفة التي عنده ، فقبّل موضع الخاتم ، ثم قال : هذا رسول رب