محمد طاهر الكردي
278
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
شبابه زكي النفس صادق اللهجة كما كان في طفولته ، وكان في كهولته زاهدا ورعا كما كان في شبابه يصغي إلى أنات الضعفاء وآلام الفقراء ، يفيض قلبه بالرحمة والحنان على جميع الخلق ، يمشي على الأرض هونا ، تغشاه السكينة حتى ليشير الناس إليه بالبنان قائلين : ( هذا هو الأمين الصادق الصدوق ) - كان الصديق الحميم والزوج الوفي ، والمفكر الذي يتغلغل بذهنه في أسرار الحياة والموت ، ويغوص بفكره في سر القضاء والقدر ، والحكمة في وجود الخلق ، تكفل بإصلاح أمة وإنقاذها ، لا بل بإصلاح العالم بأسره ، ولا عزاء له فيما يكابده سوى قلب يغمره الحب قد تعترضه الصعاب ولكن لا يعروه اضطراب وقد يغلب على أمره ولكن لا يلم اليأس بصدره ، بل تراه يكافح ويناضل بروح قوي لا يغلب ، ليؤدي الرسالة التي وكلت إليه ، وقد جمعت حوله أخلاقه الكريمة الزكية ، وإيمانه القوي بالرحمة الإلهية قلوبا مخلصة ، ونفوسا صادقة . وحين أزفت ساعة العسرة ، تراه كالبحار الأمين ، لا يبرح مكانه حتى يطمئن إلى وصول أصحابه إلى الساحل آمنين ، فإذا وصلوا إليه ، توجه هو إلى الساحل الأمين ، هكذا رأيناه فيما مضى . والآن ستراه الملك المسيطر على ذلك كله ، فهو الفقير المتواضع ، الذي لا يحيط نفسه بمظاهر العظمة والفخامة ، ومن الآن فصاعدا ، يغني تاريخ الجماعة التي كان هو قطب رحاها ، ومن الآن فصاعدا نرى الداعي الذي يرقع ملابسه بيده ، ويبيت الليالي المتتابعة طاويا ، وقد أصبح أقوى من أقوى ملوك الأرض . ا ه . كانت حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم في المدينة حلقة هامة في سلسلة الخلق الإنساني ففي المدينة أتيحت له الفرصة لإبراز ما دعا إليه بالقول إلى حيز الفعل ، وقد أكبر من شأن شريعة موسى عليه السلام وزاد عليها وحقق على الأرض ملكوت السماوات الذي كان عيسى عليه السلام يدعو اللّه به ، وسما بأخلاق قومه إلى مستوى القديسين والملائكة ، فحقق بذلك أحلام أرسطو وأفلاطون في المساواة بين البشر ، وأنشأ لأول مرة في التاريخ مجتمعا اشتراكيا ومدينة فاضلة يسكنها ويديرها قوم تخلوا عن الرذيلة ، قوم ليسوا بحاجة إلى رجال شرطة يتولون حفظ النظام بينهم ، قد زالت بينهم الفروق فلا امتياز لأحد على أحد بسبب لونه أو جنسه أو قومه ، قوم لا يفرق فيهم بين الحاكم والمحكوم ، والرئيس والمرؤوس ، تلاشت بينهم جميع الفوارق القائمة على المذاهب والطبقات والألوان والأنساب فالأبيض ، والأسود ،