محمد طاهر الكردي
279
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
والأحمر ، والأصفر - كل أولئك سواء عند اللّه ؛ لأنهم من معدن واحد ، أبوهم آدم وأمهم حواء ، ولكي ينمحي التمييز بينهم بسبب الجنس ، والدم ، والمال ، قيل لهم إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم . ولأول مرة في التاريخ قرر الخليفة عمر رضي اللّه عنه ، أن الحكومة التي لا تسمح لأي فرد من أفراد الرعية أن يبدي رأيه ، ولا تحترم هذا الرأي ، لا تعد جديرة بهذا الاسم ، ولأول مرة في التاريخ سمح لأدنى فرد من السوقة أن يبدي رأيه في أية مسألة تمس الدولة أو الدين أو الحاكم نفسه ، ولأول مرة في التاريخ حل الانتخاب محل الوراثة في تولي الحكم . وتقرر أن تكون وظيفة الحاكم - كائنا من كان - مقصورة على تنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية ، وأن تكون جميع التشريعات التفصيلية متفقة مع الأصول العامة للشرع ، الذي سنه المشرع الأعظم . وكانت الرعية تدعى إلى بيان عيوب الحاكم في سياسة الحكم ، وكانت الدولة ملكا للجميع على السواء ذكورا وإناثا ، وكانوا جميعا ملكا لإله واحد ، يخضعون لقانون واحد ، ليس من وضع البشر ، بل أنزله اللّه الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء ، والعدل الذي ملأ الأرض عدله - قانون واحد ينطبق على الغني والفقير على السواء . كان عيسى عليه السلام يحلم بالمساواة ، ولكن محمدا صلى اللّه عليه وسلم حقق هذا الحلم على أحسن وجه ، ولا غروى ، فقد كان يقدس العمل ، ويعمل كل شيء بيده ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يكره أن يعمل الناس له شيئا ، فكان يخدم نفسه ، وكان في بيته في مهنة أهله ، يفلي ثوبه ، ويقمّ بيته ، ويحمل بضاعته من السوق ، ويخصف نعله ، ويحضر الماء ، ويعقل البعير ، ويعلف ناضحه ، ويعجن مع الخادم . وروي عن أنس أنه غدا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فوجده يمسح جملا بالزيت ، وفي حديث آخر أنه رآه يسم إبل الصدقة . ولما بنيت الكعبة وهو صغير كان ينقل الحجارة ، وفي أثناء بناء المسجد النبوي في المدينة المنورة ، كان يعمل في البناء كغيره من العمال ، وكان ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبر بطنه . ودانت له شبه الجزيرة العربية ، وانهالت عليه الأموال من ذهب وفضة ، ولكنه كان يقول : ليس لابن آدم حق فيما سوى هذه الخصال : بيت يسكنه ، وثوب يواري عورته ، وجلف الخبز والماء .