محمد طاهر الكردي

267

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

فتنهض بنت أبي ذؤيب فتعود إلى آمنة فتعرض عليها إرضاع الطفل ، وإذا آمنة تأبى وقد آذاها ما رأت من إعراض المراضع وانصرافهن ، وعلى وجهها آيات حزن عميق ، وفي صوتها بقية من بكاء ، وأمتها بركة تعينها على الإباء وتحرضها على الامتناع . ولكن ابنة أبي ذؤيب تنظر إلى الطفل فإذا قلبها يمتلئ حبا له ، وإذا هي تحس أنها مدفوعة إليه دفعا ، وإذا هي تسرع إلى الطفل فترفعه بين يديها وتدنيه من صدرها ، وإذا الطفل يلتمس الثدي كأنما كان منه على ميعاد ، وإذ هو يشرب حتى يروى ، وإذا بنت أبي ذؤيب تجد من اللبن ما لم تكن تجد من قبل ، وإذا آمنة تستجيب لها ، كيف تأبى عليه وقد رأت من حبها للطفل ومن إقبال الطفل عليها ومن إرضاعها له ما رأت . لقد أصبحت هذه الظئر له أما . قالت آمنة : خذيه ولا تراعي ، فاني لأرجو ألا تجدي منه إلا خيرا ، فلقد حملته فما وجدت له ثقلا ، ولقد انتظرته تسعة أشهر فما أحسست مما يحس النساء قليلا ولا كثيرا ، ولولا غاشية الحزن التي غشيتنا بفقد أبيه لكانت هذه الأشهر أسعد ما تظفر به امرأة من دهرها . ولكن الحوادث تحدث والخطوب تلم والآمال تقطع وقد كان يرجى أن تتصل . والسحب تتراكم فتحجب ضوء الشمس . ولقد وضعت هذا الصبي فما عرف صاحباتي علي وعليه شيئا مما تعودن أن يعرفن على الأمهات والولدان . وإنك لتنكرين يا ظئر لو تسمعين . قالت حليمة : وماذا أسمع وماذا أنكر ؟ قالت آمنة : لم أكن تلك الليلة في دار من دور قريش ، وإنما كنت في مكان لم يألفه الناس : كنت في بحر من النور كله رحمة وبر ورضوان . وما لك لا تنكرين هذا يا ظئر وقد أنكرته أنا وأنكرته صواحبي ؟ وما لك لا تعجبين يا ظئر وقد عجبت وعجبت صواحبي وعجب جده الشيخ . سلي حاضنته هذه تنبئك بما رأت وما سمعت . سلي من شئت من نساء بني هاشم ورجالهم تعلمي أن لابني هذا اليتيم شأنا ليس لغيره من أبناء الأغنياء وأهل اليسار . لا تراعي يا ظئر ، فإنك تحملين وليدا كريما لأب كريم وجد كريم . ثم انهلت من عينها دموع غزار وقالت في صوت يقطعه البكاء : لا تيأسي يا ظئر ، فإن معروفنا على قلته سيصل إليك ، ورب قليل خير من كثير . قالت حليمة ، وقد رق قلبها وجادت عيناها ببعض الدمع على غير عادة الأعرابيات : لا بأس عليك يا ابنة وهب ، فإني واللّه ما استطعت صبرا على هذا الصبي منذ رأيته . وإني واللّه ما أدري ما الذي عطفني عليه حتى رجعت إليك آخذه منك . وقد كنت أستطيع القفول ، وقد كنت