محمد طاهر الكردي
268
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
أستطيع المكث في بلدكم هذا يوما أو أياما ، فالأطفال يولدون ، وسراة قريش في حاجة إلى المراضع كل يوم ، ولكنه واللّه أمر يراد . وانصرفت حليمة بابنها الجديد راضية مسرورة ، قانعة بما زودتها به آمنة من البر والمعروف ، حتى إذا انتهت إلى زوجها الأعرابي لقيها باسم الثغر ، مشرق الوجه ، سعيدا أن لا تعود إليه صفر اليدين . ولم يكد ينظر إلى الطفل حتى انطلق لسانه ، وإذا هو يقول لامرأته : إيه با ابنة أبي ذؤيب ، ما رأيت كاليوم وجها مشرقا يفيض منه البشر ، إني واللّه لأرجو أن يكون لنا من هذا الغلام خير . وينهض الأعرابي إلى شارفه يلتمس في ضرعها الجاف قطرات من لبن يبل بها ظمأ امرأته وينقع بها بعض غلاته فما أسرع ما يأخذه عجب لا ينقضى حين يرى شارفه حافلة تمنحه من اللبن ما يريد وما تريد امرأته ، وفوق ما يريد وما تريد امرأته . وينظر الأعرابي فإذا ابنه الأول يجد عند أمه ما يرويه ويرضيه ، وإذا وجهه الكالح المظلم قد أخذ يشرق ويضيء ، وإذا ابتسامة حلوة طاهرة قد ارتسمت على ثغره البريء ، وإذا هو يقول لامرأته : تعلمي يا بنت أبي ذؤيب إنك قد حملت نسمة مباركة . وتنهض الظئر إلى أتانها فتركبها ، وتضع الرضيع بين يديها ، وينهض الأعرابي إلى شارفه فيمتطيها ، ويرميان بنفسيهما في الطريق يلتمسان الركب من بني سعد ، والركب بعيد قد دفع به في الطريق طويلة نائية . ولكن الأعرابية تجد من أتانها نشاطا وحدة ، ولكن الأعرابي يجد في شارفه قوة ومرحا ، وهما يمضيان وكأنهما تطوى لهما الأرض طيا . ثم يقول الأعرابي لامرأته : مدي عينيك يا ابنة ذؤيب ، أترين شيئا ؟ قالت : إي واللّه ، إني لأراهم ، وإنهم لأدنى من مرمى العين . وما هي إلا أن يبلغ الأعرابي جماعة بني سعد ، فيعجب الناس بأمر حليمة وقد أدركتهم في غير جهد ولا كد ، والأمد بعيد ، والطريق شاقة . ويسأل النساء حليمة عن هذا الرضيع الذي تحمله ، فإذا أنبأتهن بنبئه أظهرن لها الرقة والرثاء ، وأضمرن التيه والكبرياء . ويمضي الركب أخذا بأطراف الحديث ، وإن حليمة لتسبق أترابها حتى تعييهن ، وإن أترابها ليقلن لها : أهذه أتانك يا ابنة أبي ذؤيب التي أقبلت بك إلى مكة ؟ فتقول : هي واللّه أتاني ما غيرتها . فيقلن : اربعي علينا يا بنت أبي ذؤيب ، فما رأينا كاليوم مرحا ولا عدوا .