محمد طاهر الكردي
22
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وعبر هذه السنوات الطويلة ، عرفت جوانب من حياتك هي التي أحاول أن أستذكر الآن أطرافا منها . كنت يا صديقي إبانها تشارف الأربعين . . . ناضر المنظر أنيق الملبس ، تعتمر عمة حجازية كان يحتفظ بمثلها بعض من كان من جيلك . أميل إلى القصر لطيف المعشر ، فكه الحديث حلو النادرة ، يجمع على حبك تلامذتك وزملاؤك تعامل الجميع - كلهم - أصدقاء حميمون . كانوا - جميعهم - مع حبهم لك ، يتّقون غضبك ، فقد كنت متى غضبت ، تبدو كالبركان يتقي الناس حممه ولكن البركان متى همد أعطى الخصب والنضارة والنماء . وكذلك أنت ، فسرعان ما تهمد ثائرتك ، ويذهب غضبك خاصة إذا اعتذر الطرف الآخر عن خطأه أو ما ينبغي عليه أن يعترف به من خطأ ، مهما كان الأمر وإلا فالقطيعة . وكان أولئك الذين عرفوا حقيقة قلبك الأبيض . . . يعرفون كيف يحتفطون بصداقتهم لك ليظل ما بينك وبينهم من بيت الودّ عامرا . لا تزعزعه الرياح ، أو صخب البراكين . وإذا فاء إليك حلمك بالغت في الكرم ، واللطف ، وأغدقت من برك ما يزيل سخط الساخطين . . . كنت آنذاك تعيش أعزب لم تتزوج بعد ، فقد كنت شديد الحذر من الزواج تخشى أن يضطرب به ما تعودت من هدوء وركون إلى الكتب والفن . . . أعني فن الخط . . . الذي أولعت به وكنت تسكن في دار مستقلة ، في مصعد جبل هندي ( قعيقعان ) في الطريق إلى القلعة . . . وكنت تدعو إلى هذه الدار من تصطفي من أصدقائك وأودائك . . . وقلّما كان يمر عليك يوم دون أن تدعو أحدا . . . على ما تيسر من طعامك غداء أو عشاء . وكانت شهرتك في إجادة الطبخ مستفيضة . . حتى ليروي الرواة ، أنك طبخت في دارك بالطائف مرة طبخة لذيذة دعوت إليها نفرا من كبار رجال مديرية المعارف أيام كانت مديرية . فأكلوا واستزادوك ثم استزادوك لطعامتها وجودتها . . . ثم اتضح بعد أن امتلأت الحقائب أنها كانت أكلة برسيم أخضر . . . وكانت نادرة طريفة من نوادرك ، ظل الوسط التعليمي في مكة المكرمة يضحك منها أياما تلو أيام . ولقد كنت أحظى بشيء من دعواتك المنزلية غير البرسيمية . وكنت أشهد عن كثب ما تعانيه في وحدتك ، إلا من خادم أسود صغير يرعى بعض شؤونك ويؤمن لك حاجيات السوق . . . وكنت أرتاح إلى غذائيك . . . غذاء الجسم من طعامك الشهي اللذيذ . . . وغذاء الفكر فيما تحدثني عن فنك وعلمك ومؤلفاتك .