محمد طاهر الكردي

250

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وكان الشيخ يضحك في نفسه ضحكا حزينا يوشك أن يكون يأسا مهلكا وثورة جامحة ، لولا أنه كان ذا قلب تعلم كيف يطمئن للأحداث ويذعن للخطوب ، ويصبر على النائبات . كان الشيخ يضحك في نفسه ضحكا حزينا حين كان يفكر في غرور قريش ، وتقديرها أن اللّه قد رد طاغية الحبشة ، وأرسل عليه وعلى جيشه ما أرسل من الطير الأبابيل تكريما لها وإيثارا ، وحين كان يفكر في غروره هو حين كان يقدر أن اللّه قد أنقذ ابنه من مديته وفداه بمائة من الإبل إيثارا له بالعافية ، واختصاصا له بالكرامة . كلا . كلا . لم يهزم الفيل وأصحاب الفيل إكراما لقريش ، وإنما هي آية أجراها اللّه لأمر يعلمه هو ، ولا يعلم الناس منه شيئا . ولم ينقذ اللّه عبد اللّه من الموت ويفاده بمائة من الإبل إكراما له أو إكراما لأبيه ، وإنما أنقذه من الموت وفأداه بالإبل لأمر يريده هو ، ولا يعلم الناس منه شيئا . وإلا ففيم نجا هذا الفتى من الموت ليموت بعد ذلك بقليل ، أليس غريبا أن ينجو من الموت ليتخذ له زوجا لا يقيم معها إلا وقتا قصيرا ، ثم يفارقها كما يفارق الناس أزواجهم ليعود إليها كما يعود الناس إلى أزواجهم ، ولكن رفاقه يعودون وهو لا يعود ، إنما يتخلف في يثرب ليموت عند أخواله من بني النجار ، وقد عرفت زوجه بعد أن ارتحل عنها أنه قد حملها أمانة ما زالت تحملها في جوانحها ، حتى إذا جاء أمر اللّه أدت هذه الأمانة . ومن يدري لعل عبد اللّه لم يوجد إلا ليودع هذه الأمانة عند زوجه ، ومن يدري لعل آمنة لم توجد إلا لتؤدي هذه الأمانة إلى الناس ، وكان الشيخ إذا فكر في هذا كله لم يملك نفسه أن يرى ابنه شديد النشاط ، عظيم القوة ، رائع الشباب ، بارع الجمال ، يستقبل السفر بأمل لا حد له ثم يراه نحيلا ، هزيلا ، شاحبا ، متهالكا ، محزونا ، يمرض على فراشه عند بني النجار ، ثم يراه وقد دنا منه الموت مكابرا مكاثرا ، فاستله من الحياة أو استل الحياة منه ، كأنما يثأر لنفسه من تلك الهزيمة التي أصابته يوم الفداء ، فكان الشيخ يستسلم لحزن عميق لا يخرجه منه إلا اضطراب الناس من حوله ، وإلحاح الناس عليه ، وفيهم أبناؤه وبناته ، فيما كان يشغلهم من الأمور . وكانت آمنة ترى نساء قريش ونساء بني هاشم من حولها ، يبتسمنا للأيام ويبتهجن للحياة ، فيعجبها ذلك منهن ، ولا يداخلها حسد لهن أو ميل إلى مشاركتهن . كانت تحس إحساسا قويا ، ولكنه غامض ، بأن الأيام قد وفتها حظها من الغبطة وقسطها من النعيم في ذلك الوقت القصير الذي قضته مع زوجها منذ لقيته بعد الفداء إلى الرحيل . وكانت تريد أن تسعد بالتفكير في هذا الجنين