محمد طاهر الكردي

251

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

الذي تحسه يضطرب في أحشائها ، ولكنها لا تلبث أن تذكر زوجها ، وأنه قد حرم السعادة بهذه النعمة ، فتكره أن تستأثر من دونه بالخير ، وتتحدث إلى نفسها بأن الاستمتاع بالأبناء والبنات لذة لا يستبد بها الفرد وإنما هي مشتركة بين اثنين فإذا ذهب أحدهما ثقلت على الآخر وشق احتمالها عليه ، وكانت له مصدر ألم وحزن . لكنها مع ذلك لم تكن تجد هذا الألم الممض الذي كانت تقدره وتنتظره كأنما خلقت نفسها مذعنة ، وكأنما فطر قلبها على الرضا ، وكأنما استيقنت أن حياة الأحياء عبء يجب أن يحمل رضي الناس أو سخطوا ، وأن احتماله مع الرضا والاطمئنان خير من السخط الذي لا يجدي ، والثورة التي لا تفيد . على أن الأيام لم تكن تتقدم بآمنة نحو ذلك اليوم المشهود ، حتى يغمرها شيء يشبه نسيان النفس والانصراف عن الشعور الواضح بالحياة والتفكير الجلي فيها . وكانت تنفق نهارها ذاهلة أو كالذاهلة ، وتنفق ليلها في نوم هادئ حلو الأحلام . وما أكثر ما كان يزورها من حلم ، وما أكثر ما كان يلم بها من طيف أو ما أكثرها ما كان يلقى إليها من حديث . حتى إذا كانت ذات ليلة تتهيأ للخروج من ذهول النهار والدخول في هدوء الليل ، أحست بعض ما يحس النساء حين يدنو منهن المخاض . هنالك دعت إليها من حضرها من نساء بني هاشم ، فأسرعن إليها وقضين معها ليلة لا كالليالي أنكرن فيها كل شيء وأعجبن فيها بكل شيء ، أنكرن حتى أنفسهن ، فقد رأين ما لم ير أحد ، وسمعن ما لم يسمع أحد ، وأحسسن ما لم يحس أحد . ولم تكن آمنة أقلهن إنكارا وإكبارا وإعجابا ، فقد كانت ترى ، وهي يقظة غير نائمة ، أن نورا ينبعث منها فيملأ الأرض من حولها ويزيل الحجب عن عينها . وكانت تنظر فترى قصور بصرى في أطراف الشام . وكانت تنظر فترى أعناق الإبل تردى في أقصى الصحراء . وكانت لا تتحدث إلى من حولها بما ترى مخافة أن ينكرن ما تقول ، وأن يظنن بها الظنون وكانت هذه من صاحباتها لا تمد طرفها إلى شيء حتى تراه نورا كله لا ظلمة فيه ، وإنما هو مشرق مضيء ، أو هو الإشراق الخالص . وكانت هذه الأخرى من صاحباتها تنظر فإذا نجوم السماء تدنو من الأرض وتمد إليها أشعة قوية نقية باهرة ساحرة وإنها لتدنو وتدنو حتى يخيل إلى الرائية أنها توشك أن تمسها وتقع عليها . وكانت هذه الأخرى من صاحباتها ترى ظلمة مظلمة قاتمة وتأخذها رعدة قوية ناهكة ، ويلم بها شيء كأنه النوم ، تسمع أثناءه صوتا مهيبا رهيبا يسأل : ( إلى أين ذهبت به ؟ ) فيجيبه صوت مهيب رهيب إلى المشرق ثم ينجلي عنها ما ألم بها فتفيق . ثم