محمد طاهر الكردي
199
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ! لقد دعا نوح على قومه فقال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا . ولو دعوت علينا بمثلها لهلكنا كلنا ، فقد وطئ ظهرك وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت : « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » . بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ! لقد اتبعك في قلة سنك وقصر عمرك ما لم يتبع نوحا في كثرة سنه وطول عمره ، ولقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل . بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ! لو لم تجالس إلا كفؤا لك ما جالستنا ، ولو لم تنكح إلا كفؤا لك ما نكحت إلينا ، ولو لم تؤاكل إلا كفؤا لك ما واكلناك . فلقد واللّه جالستنا ونكحت إلينا وواكلتنا ولبست الصوف وركبت الحمار وأردفت خلفك ووضعت طعامك على الأرض ولعقت أصابعك تواضعا منك ، صلى اللّه عليه وسلم . انتهى من المجلة المذكورة . حزن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم وبكاؤهم من غير صوت ولا نواح على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين موته لا يخفى أن الموت هو من أعظم مصائب الدنيا وعلى قدر منزلة الميت عند أهله وأصحابه يكون حزنهم على موته وفراقه - فحزن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم ، على موت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهم الذين شاهدوا نور نبوته ونشأوا تحت تربيته - هو أعظم حزن مرّ على البشرية عامة وعلى الأمة الإسلامية خاصة ، وكيف لا يكون كذلك وهم الذين عاصروه وعاشروه وشاهدوا نزول الوحي عليه ومشوا في ركابه . والحزن أنواع مختلفة فقد يكون بالصمت وقد يكون بالذهول وقد يكون بالهذيان وقد يكون بالبكاء الصامت ونزول الدموع وقد يكون بالبكاء والنياحة ولطم الخدود وشق الجيوب ، وقد أصاب الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم ، عندما سمعوا بموت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جميع أنواع الحزن ما عدا النوع الأخير من النياحة ولطم الخدود وشق الجيوب ، فإنه من عادة أهل الجاهلية وهو حرام بالإجماع على كل ميت فضلا عن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم ، الذي جاءنا