محمد طاهر الكردي
200
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
بالنور المبين . أما البكاء ونزول الدموع فهو أمر قهري على الإنسان لا يؤاخذ به ؛ لأنه من رقة القلب فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تذرفان ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : وأنت يا رسول اللّه . فقال : يا ابن عوف إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى ، فقال : إن العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون - كما جاء ذلك في البخاري ومسلم . فالصحابة رضي اللّه تعالى عنهم حين سمعوا بموت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اعترتهم حالات شديدة من الحزن العميق - لقد دهشوا وطاشت عقولهم وبكت عيونهم وقلوبهم وهم صامتون حيارى ، نساء ورجالا ، أينما كانوا ، في منازلهم أو في أسواقهم أو في أشغالهم ، ولولا عصمة الإسلام وسماحته وحسن تعاليمه لظهرت منهم أفعال عجيبة من شدة التأثر وعظيم الحزن . ولنذكر هنا ما أصاب بعضهم مما روته الأخبار على سبيل المثال لا الحصر ، فنقول ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العظيم : 1 - ففاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالت عند موته رضي اللّه تعالى عنها : يا أبتاه أجاب ربا دعاه - يا أبتاه ، من جنة الفردوس مأواه - يا أبتاه : إلى جبريل ننعاه - فلما دفنوه صلى اللّه عليه وسلم ، أخذت تربة من تراب قبر أبيها ، رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فشمته ثم أنشأت تقول : ماذا علي من شم تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبّت عليّ مصائب لو أنها * صبت على الأيام صرن لياليا ثم قالت لأنس : يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم التراب ؟ وقالت : رضي اللّه تعالى عنها ، لعلي : يا أبا الحسن دفنتم رسول اللّه ؟ قال : نعم . قالت : كيف طابت قلوبكم أن تحثوا التراب عليه ، أليس كان نبي الرحمة ؟ قال : نعم ، ولكن لا مردّ لأمر اللّه . هكذا قالت سيدة نساء العالمين ، رضي اللّه تعالى عنها في والدها الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم ، الذي لم يأت على وجه الدنيا أفضل منه - إنها كانت تبكي صامتة تجتر حزنها ، ولا تقول كلمة تغضب اللّه عز وجل - ولقد عاشت رضي اللّه تعالى عنها ، بعد أبيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ستة أشهر ما ضحكت في تلك المدة أبدا وحق لها ذلك ، فأبوها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رسول رب العالمين وخاتم النبيين صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين :