محمد طاهر الكردي
163
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
طالب بذلك قبل أن يفعل ما ذكر ، فخرج القوم إلى مساكنهم بعد هذه الشدة . انتهى من نور اليقين . جاء في شرح زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم عند حديث : « لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه - يعني أبا طالب » رواه البخاري ومسلم - ما نصه : قوله : « لعله تنفعه شفاعتي . . . الخ » - الضمير فيه لأبي طالب عم النبي صلى اللّه عليه وسلم كما بيناه بقولنا : يعني أبا طالب واسم أبي طالب عبد مناف وهو شقيق عبد اللّه والد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو كافل النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد موت جده عبد المطلب ، وأما والده عبد اللّه فتوفي عنه في بطن أمه آمنة بنت وهب على الصحيح ، فلما ولد النبي عليه وعلى آله وأصحابه الصلاة والسلام كفله جده عبد المطلب إلى أن توفي ، فكفله أبو طالب وكان يحبه ويحوطه إلى أن بعثه اللّه تعالى فنصره وأجاره ممن يريد إساءته ، وعادى فيه قريشا والعرب ، وناصبوه كي يسلمه إليهم فأبى ، فتحالفت قريش وكنانة على بني هاشم وبني المطلب ، أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفي السيرة وكتبوا بذلك كتابا بخط بغيض بن عامر بن هاشم ، وعلقوه في جوف الكعبة وتمادوا على العمل بما فيه من ذلك ثلاث سنيين ، واشتد البلاء على بني هاشم في شعبهم وعلى كل من معهم ، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم قوم من قصي ممن ولدتهم بنو هاشم ومن سواهم ، فأجمعوا أمرهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة ، وبعث اللّه على صحيفتهم الأرضة ، فأكلت ولحست ما فيها من ميثاق وعهد ، وبقي ما كان فيها من ذكر اللّه عز وجل ، وأطلع اللّه تعالى نبيه على ذلك فأخبر عمه أبا طالب بذلك ، فقال : أربك أخبرك بذلك ، قال : نعم ، فقال أبو طالب : لا والثواقب ما كذبتني ، ثم خرج أبو طالب ، فقال : يا معشر قريش ، إن ابن أخي أخبرني أن اللّه عز وجل قد سلط على صحيفتكم الأرضة فإن كان كما يقول ، فو اللّه لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا ، وإن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا قتلتم أو استحييتم ، فقالوا : قد رضينا بالذي تقول . ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر ، فقالوا : هذا سحر ابن أخيك ، وزادهم ذلك بغيا وعدوانا ، فنقض اللّه سبحانه أمر الصحيفة وأظهر أمر نبيه عليه الصلاة والسلام على ما هو مذكور في كتب الحديث والسير .