محمد طاهر الكردي
130
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
محل مدفن أم النبي صلى اللّه عليه وسلم وقد اختلف الناس في موضع دفن آمنة بنت وهب أم النبي صلى اللّه عليه وسلم على قولين : فبعضهم يقول إنها ماتت بمكة ودفنت بها بمقبرة الحجون ، فقد جاء في تاريخ الخميس : وفي ذخائر العقبى قال ابن سعد : دفنت أمه صلى اللّه عليه وسلم بمكة ، وأن أهل مكة يزعمون أن قبرها في مقابر أهل مكة من الشعب المعروف بشعب أبي ذئب رجل من سراة بني عمرو ، وقيل : قبرها في دار رابعة في المعلاة بثنية أذاخر عند حائط حلما - ا ه . ويقول بعضهم إن أم النبي صلى اللّه عليه وسلم ماتت بالأبواء ودفنت بها ، وهذا أرجح الأقوال وعليه غالب المؤرخين ، ولكل من أصحاب القولين حجة - قال مؤلف تاريخ الخميس : قيل التوفيق بين دفن أمه صلى اللّه عليه وسلم بالأبواء وكون قبرها بها وبين قبرها بمكة على تقدير صحة الحديثين : أن يقال يحتمل أن تكون دفنت بالأبواء أولا وكان قبرها هناك ، ثم نبشت ونقلت إلى مكة واللّه تعالى أعلم - ا ه . ونحن نقول : إن دفنها بالأبواء أصح وأرجح ، ولكن نستبعد نبش قبرها ونقلها إلى مكة ، في ذلك العصر الذي لم تكن فيه إلا وسيلة واحدة للانتقال والأسفار ، وهي الجمال والبغال والحمير ، فنقل الميت بوسيلة ركوب الجمال والمشي بها من الأبواء إلى مكة في خمسة أيام أمر شاق جدا بل متعذر ، ويؤدي ذلك إلى تكسر الجثة وتعفنها لعدم معرفة العرب لطرق تحنيط الأموات ، ولم يكن نقل الأموات في ذلك الزمن من بلدة إلى بلدة أمرا معروفا - أما نقل الأموات في زماننا هذا فقد جرى عليه عظماء الناس وإن لم يرد ذلك في الشرع ، وهذا لتيسر أسباب النقل من الطائرات والسيارات التي اخترعت في عصرنا ، ولمعرفتنا لطرق تحنيط الأموات صيانة لهم من التعفن والتفسخ . ونحن لا يمكننا أن نوفق بين القولين إلا بأمر معنوي ، وذلك بأن نقول : إن أم النبي صلى اللّه عليه وسلم ماتت بالأبواء ودفنت بها ، فلما خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من المدينة في غزوة الحديبية ومر في طريقه بالأبواء ، تذكر أمه العزيزة الكريمة فاستأذن ربه عز وجل في زيارتها ، فأذن له فجاء إلى قبرها - ونقول بناء على ما جاء في بعض الأحاديث الدالة على وقوع زيارتها بمكة : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما وصل إلى مكة في حجة الوداع وهي آخر حجاته ومر على عقبة الحجون ، تذكر أمه الحبيبة