محمد طاهر الكردي
131
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
فاشتاق إليها ، واستأذن ربه العزيز الغفار في زيارتها ، فأذن اللّه تعالى له في ذلك وأمر الملائكة بنقلها إلى مقبرة الحجون من الأبواء ، تطييبا لقلب نبيه الكريم ومعجزة له عليه الصلاة والتسليم ، ولتكون زيارته لها في أسرع وقت وأقرب لحظة ، كما وقع ذلك في اجتماعه صلى اللّه عليه وسلم بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام في بيت المقدس وفي السماوات السبع ليلة الإسراء والمعراج ، واللّه تعالى أعلم بما كان بينه صلى اللّه عليه وسلم وبين أمه من الأمور والمشاهدات في هذه الزيارة ، فزيارة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للأموات ليست كزيارة عامة الناس ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم يكشف له من الأمور والمشاهدات ما لا يكشف لغيره . هذا ولقد رأينا قبر آمنة بنت وهب أم النبي صلى اللّه عليه وسلم بمقبرة المعلا بالحجون بمكة ، وكانت عليه قبة جميلة ، وكذلك رأينا قبرها بالأبواء ، وكانت عليه قبة لطيفة أيضا ، وهاتان القبتان بنتهما الحكومة التركية حينما كانت تحكم الحجاز والبلدان العربية ، فلما دخلت الحكومة السعودية إلى الحجاز في سنة ( 1343 ) ألف وثلاثمائة وثلاث وأربعين هجرية ، هدمت القبتين المذكورتين وهدمت جميع القباب التي كانت على القبور ، وسنتكلم بعد المبحث الآتي عن قرية الأبواء وموقعها . نجاة أبوي النبي صلى اللّه عليه وسلم اعلم أن العرب قبل ظهور الإسلام كانوا أهل شرك يعبدون الأصنام ، ولكن عقلاءهم وفضلاءهم ومنهم آباء النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم موحدين يعبدون اللّه تعالى على دين الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام ، وإن كانوا على بعد العهد لا يعرفون تفاصيل دينه الحنيف ، ويكفي أنهم يعتقدون بوجود اللّه تعالى وببعثة الرسل والأنبياء إلى الأمم السابقة ، وأنهم يعترضون على قومهم في عبادة الأوثان وفي سفاسف الأمور الشركية ، لأن العقل السليم لا يقر العادات المستهجنة القبيحة ، فليس ببعيد أن يمن اللّه تبارك وتعالى على بعض عباده من أهل الفترة بالفكر الثاقب والعقل السليم ، ليهتدي إلى الخلاق العظيم وينبذ عبادة الأصنام ويجتنب قبيح الآثام ؛ كقس بن ساعدة الإيادي حكيم العرب وغيره كما سنذكرهم بعد قليل . فممن أسعدهم اللّه تعالى بالهداية بفضله ورحمته آباؤه صلى اللّه عليه وسلم ذكورا وإناثا ، فإنهم لم يسجدوا لصنم ولم يرتكبوا جرما وكلهم من سادات قريش ، ليخرج