محمد طاهر الكردي

117

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

لقد صار هذا اليتيم الكريم الحبيب وحيدا فريدا ، حتى يكون في كنف اللّه عز وجل وفي حفظه ورعايته ، ولينزل عليه بعد بعثته : أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى فالمنة والفضل والإحسان كلها للّه عز وجل ، فلقد قيّض اللّه تبارك وتعالى بعظيم لطفه ورحمته جده عبد المطلب ، وهو عظيم قومه وسيد قريش ، ليتولى كفالته وتربيته ، فكفله جده عبد المطلب منذ وفاة أمه آمنة ، وهو في أول السابعة من عمره الشريف ، كفالة تامة ، ورعاه رعاية بالغة حتى مات ، ثم خلفه في الكفالة عمه أبو طالب بوصية من أبيه عبد المطلب ، لأن أبا طالب وعبد اللّه أب النبي صلى اللّه عليه وسلم كانا من أم واحدة وهي فاطمة بنت عمرو ، فبذل أبو طالب في رعايته وتربيته كل جهده فكان يحبه أكثر من أولاده كما سيأتي بيان كل ذلك . ولادة النبي صلى اللّه عليه وسلم قلنا فيما تقدم أن عبد اللّه بن عبد المطلب أبا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بعد أن تزوج بآمنة بنت وهب أم النبي عليه الصلاة والسلام بنحو شهرين ، مات بالمدينة المنورة وابنه " محمد " صلى اللّه عليه وسلم جنين في بطن أمه ، وكلاهما كانا وقتئذ بمكة المكرمة ، حزنت آمنة عاملها اللّه تعالى بفضله ورحمته وإحسانه ومنته ، على زوجها الحبيب حزنا شديدا ، لكنها تذرعت بصبر جميل يليق بمكانتها السامية ، صبرت على القضاء والقدر فعوّضها اللّه تعالى بولد كالقمر . مكثت آمنة في دارها بمكة صابرة مستسلمة حتى أتمت مدة الحمل وهي تسعة أشهر ، فوضعت ابنها " محمدا " صلى اللّه عليه وسلم في أبرك الساعات والأيام ، وهو يوم الاثنين عند طلوع الفجر ، وقيل في أول النهار أي بعد طلوع الشمس ، من عام الفيل باتفاق العلماء ، ولم تجد آمنة في حمله ووضعه صلى اللّه عليه وسلم ألما ولا تعبا ولا مشقة كما تجده النساء ؛ لأن " محمدا " رسول اللّه ، فهو خفيف لطيف ليس فيه غلظة ولا كثافة مثلنا ، وإن كان من لحم ودم ، إنه بشر لا كالبشر فهو كالياقوت بين الحجر ، إنه نبي حبيب نوراني مبارك ، إنه كريم على اللّه تعالى منذ الأزل ، فلابد أن تصاحبه الأسرار والبركات منذ حمله وولادته ، بل منذ تنقله في الأصلاب ، وترافقه البشائر والخيرات والخوارق والمعجزات من طفولته إلى بعثته إلى مماته ، فلو أراد أحد حصر فضائله وشمائله ومعجزاته " قضى ولم يقض من إحصائها وطرا " إنه صلى اللّه عليه وسلم ، نبي