المباركفوري
334
تحفة الأحوذي
مصيبات الدنيا مثوبات الأخرى لا يغتم بما أصابه ولا يحزن بما نابه ومتعنا من التمتيع أي اجعلنا متمتعين ومنتفعين بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أي بأن نستعملها في طاعتك قال ابن الملك التمتع بالسمع والبصر إبقاؤهما صحيحين إلى الموت ما أحييتنا أي مدة حياتنا وإنما خص السمع والبصر بالتمتيع من الحواس لأن الدلائل الموصلة إلى معرفة الله وتوحيده إنما تحصل من طريقهما لأن البراهين إنما تكون مأخوذة من الآيات وذلك بطريق السمع أو من الآيات المنصوبة في الأفاق والأنفس فذلك بطريق البصر فسأل التمتيع بهما حذرا من الانخراط في سلك الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولما حصلت المعرفة بالأولين يترتب عليها العبادة فسأل القوة ليتمكن بها من عبادة ربه قاله الطيبي والمراد بالقوة قوة سائر الأعضاء والحواس أو جميعها فيكون تعميما بعد تخصيص واجعله أي المذكور من الأسماع والأبصار والقوة الوارث أي الباقي منا أي بأن يبقى إلى الموت قال في اللمعات الضمير في قوله اجعله للمصدر الذي هو الجعل أي اجعل الجعل وعلى هذا الوارث مفعول أول ومنا مفعول ثان أي اجعل الوارث من نسلنا لا كلالة خارجة منا والكلالة قرابة ليست من جهة الولادة وهذا الوجه قد ذكره بعض النحاة في قولهم إن المفعول المطلق قد يضمر ولكن لا يتبادر إلى الفهم من اللفظ ولا ينساق الذهن إليه كما لا يخفى والثاني أن الضمير فيه للتمتع الذي هو مدلول متعنا والمعنى اجعل تمتعنا بها باقيا مأثورا فيمن بعدنا لأن وارث المرء لا يكون إلا الذي يبقى بعده فالمفعول الثاني الوارث وهو المعنى يشبه سؤال خليل الرحمن على نبينا عليه الصلاة والسلام واجعل لي لسان صدق في الآخرين وقيل معنى وراثته دوامه إلى يوم الحاجة إليه يعني يوم القيامة والأول أوجه لأن الوارث إنما يكون باقيا في الدنيا والثالث أن الضمير للأسماع والأبصار والقوى بتأويل المذكور ومثل هذا شائع في العبارات لا كثير تكلف فيها وإنما التكلف فيما قيل إن الضمير راجع إلى أحد المذكورات ويدل على ذلك على وجود الحكم في الباقي لأن كل شيئين تقاربا في معنييهما فإن الدلالة على أحدهما دلالة على الآخر والمعنى بوراثتها لزومها إلى موته لأن الوارث من يلزم إلى موته انتهى ( واجعل ثأرنا ) بالهمز بعد المثلثة المفتوحة أي إدراك ثأرنا على من ظلمنا أي مقصورا عليه ولا تجعلنا ممن تعدى في طلب ثأره فأخذ به غير الجاني كما كان معهودا في الجاهلية فنرجع ظالمين بعد أن كنا مظلومين وأصل الثأر الحقد والغضب يقال ثأرت القتيل وبالقتيل أي قتلت قاتله ولا تجعل مصيبتنا في ديننا أي لا تصبنا بما ينقص ديننا من اعتقاد السوء وأكل الحرام والفترة في العبادة وغيرها ولا تجعل الدنيا أكبر همنا أي لا تجعل طلب المال والجاه أكبر قصدنا أو حزننا بل اجعل أكبر