علي أكبر السيفي المازندراني
148
دروس في القواعد التفسيرية ( الحلقة الثانية ، القسم الأول )
يكون فهم كثير منها فوق حد ادراك عقل البشر . ومن هنا نتعبّد بكثير من الأحكام الشرعية التوقيفية . وهذه الواقعية - أعني عدم تمكن العقل من ذلك - أمرٌ يدركه العقل بالوجدان والعلم الحضوري . وبهذين الوجهين ينهدم أساس . التفسير الثالث . وإنّ الحقائق والعقائد والأحكام الدينية متشكّلة من كلا النوعين المزبورين ، فبعضها يتمكن العقل من فهمها وكثير منها فوق حدّ إدراكه . وكلّ عقيدة دينية وأيّ حكم شرعي إلهي لم يتمكن العقل من إدراكه ، لا يرى لنفسه حق تخطئته وردّه ، بل إنّما هو ساكت بالنسبة إلى فهمها ، كما نُقل عن الشيخ الرئيس : « كلّما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الامكان ما لم يذدك عنه واضح البرهان » ( 1 ) . ولكن لمّا يعلم أنّه صدر من اللَّه الحكيم يحكم بحقانيتها ووجوب الاعتقاد بها وطاعتها ؛ حيث يحكم - بالبرهان العقلي - بامتناع صدور الجزاف من الحكيم ، إلّاما كان من الأحكام متضادّاً مع حكم العقل البديهي ، فيؤوّلها إلى ما يرتفع به التناقض والتضاد ، كقوله تعالى : « الرحمان على العرش استوى » ( 2 ) ، وقوله : « يد اللَّه فوق أيديهم » ( 3 ) . وثالثاً : كل دين لابدّ من قياسه إلى ساير الأديان في زمانه ؛ لأنّ الدين اللاحق بمجيئه ينسخ ما قبله في مواضع الاختلاف ؛ لامتناع صدور أحكام متناقضة من الشارع الحكيم - وهو اللَّه تعالى - في عصر واحد لجميع الناس . وعليه فما قيل من أنّ جميع الأديان طرق ومسالك إلى حقيقة واحدة كلام حقٌّ ، ولكن كلّ دين إنّما هو طريق إلى تلك الحقيقة الواحدة في زمان تشريعه
--> ( 1 ) - / الإشارات : ج 3 ، ص 418 . / كفاية الأصول : ج 2 ، ص 43 . ( 2 ) - / طه : 5 . ( 3 ) - / الفتح : 10