الشيخ محمد الصادقي الطهراني

413

علي والحاكمون

فالثقافة الإسلامية مركَّزة على فرضين بين الفريقين ، العلماء والجهال ، الجهال والعلماء ، فالجاهل المستنكف عن التعلم فيما يجب عليه ، مذنب . وكذا العالم الخازن علمه عنده ، القائم مقامه والجالس مجلسه دونما حراك للدعوة والدعاية بلسانه وقلمه ، مذنب ، وقد ذم اللَّه العلماء الكاتمين علوم الدين في كتابه قائلًا : « إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ » ( 2 : 159 ) . وإنما الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه ، ولا يخص إخفائه مع السؤال ، ولا تحريفه بعد البيان ، بل ويشمل كل من عنده أمانة علمية معرفية للناس ولا يظهره ويبينها ويعطيها إياهم . كهولآء الذين يظنون أن القرآن ظني الدلالة ، كتماناً لدلالته البينة ، رغم أنه نور وبيان وبرهان وحجة بالغة ربانية ، وأنه في لفظه ومعناه ، في قشره ومغزاه يفوق معجزات النبيين أجمعين . ومما لا يريبه شك أن علوم الدين أمانات عند علماء الدين بعد النبيين ، وقد يهدي إليه قوله تعالى « مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ » يعني بيناه لعلماء الدين ، ليبينوه للناس ، ومن البديهي أن ما أنزله اللَّه إلى رسله ، لم يك ليبينه لكل فرد فرد من الناس ، وانما يبلغه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للرعيل الأول من الأمة وهم علمائهم وأولوا الألباب منهم ، ويملي عليهم أن ينشروه ويعلموه ويبينوه للناس حيث لا يتيسر للرسول أن يبين ما أنزله اللَّه عليه لكل أحد دونما واسطة ، ومما يهدي إلى ذلك قوله تعالى : « وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ » ( 3 : 187 ) ،