الشيخ محمد الصادقي الطهراني
21
علي والحاكمون
وقد يعد الإمام عليه السلام هذه التربية الخالدة لنفسه في حجر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، من أوليات الصفوف من صنوف فضائله ، ويفتخر به في مفاخرة قائلًا : « وقد علمتم موضعي من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجرة وأنا وليد يضمني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسُّني جسده ، ويشمُّني عرقه ، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل ، ولقد قرن اللَّه به من لدن كان فطيماً أعظم ملك يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره ، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه ، يرفع لي كل يوم عَلماً من أخلاقه ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كل سنة بحرآء ، فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوة ، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ! ما هذه الرنة ؟ فقال : هذا الشيطان قد أيس من عبادته ، إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى ، إلّاأنك لست بنبي ولكنك وزير وإنك لعلى خير » « 1 » . اجل إنه كان ينيمه في فراشه في طفولته ولكي ينام هو وحده على فراشه في رجولته وبطولته ، ذوداً عنه وصيانة لنفسه المقدسة إحتفاظاً على الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم حيث المشركون ائتمروا في قتله أو إبادته . إذ ذاك يدعو عليّاً ويخبره بما يوحى إليه ربه : « أوحى إلي ربي أن أهجر دار
--> ( 1 ) نهج البلاغة : عبده الكلام 135 ص 31