الشيخ محمد الصادقي الطهراني

23

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

إلى دينه وهو أصل الفساد « أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ » تشكيكا في دينكم ، واختلافا بينكم وتخلفا فيكم . ومن الطريف جدا حجة فرعون في ذلك التصميم الفاتك ، وهو مكرور عبر الأجيال المتفرعنة أمام المصلحين على توالي الزمان ومختلف المكان ، أن يظهر الباطل الكالح في مظهر الحق الصالح ، ويظهر الحق في مظهر المفسد الطالح ، ليستجيش مشاعر الشعب المستضعفين ضد الداعية المصلحة ، المطالبة بحقهم من المستكبرين ترى بماذا يواجه موسى هذه الطاغية ؟ إنه يواجه شعبه المحطمين المستغفلين بكلمة الحكمة : وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ( 27 ) يستبدل قولة فرعون « وَلْيَدْعُ رَبَّهُ » ب « إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ » لكيلا يخيّل إليهم أن ربه غير ربهم بل هو واحدشريك له رغم مزاعم المشركين ، ولكي يعطف بهم إلى العوذ بربهم ممن عاذ به موسى ثم يعمم الاستعاذة « مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ » حيث لا تختص من فرعون ، وهناك فراعنة عدة ! ودرجا لفرعون إدراج سائر المتكبرين دون أن يحسب له حسابه الخاص ، تذليلا لسطوته ، وكسرا لنخوته ، يظهر كأنه لم يسمع قولته ، ولم يأهله للمخاطبة ، ولا التحدث عنه بشخصه أمام الشعب ، وما ألطفه حجاجا صارما أمام الفرعنة الجبارة ، وما أعطفه للشعوب المستضعفة ! . ف « كُلِّ مُتَكَبِّرٍ » لبس رداء الكبرياء من دون حق ، ويزيده كبرياء وعتوا أنه « لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ » أنه لاحساب في قولته وفعلته ، فهو يعيش الفوضى اللّاحساب ، على حساب الكبرياء والجبروت .