الشيخ محمد الصادقي الطهراني

614

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ 87 فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ 88 . « ذا النون » هذا وهو يونس بن متى النبي ، يضرب هنا مثلا مذكّرا لقصور الصبر اللائق في تطبيق الرسالة ، بعد التذكير بأنبياء صابرين ، وكما يلمح في « القلم » : « فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ . لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ » ( 68 : 50 ) والقصة مذكورة فيها وفي يونس والصافات ، وفي كلّ تفصيل كما تعنيه آيتها ، وهنا كما هيه ، دون إعادة شاملة للثلاثة الباقية . وتراه هنا « إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً » ممن ؟ أمن ربه ؟ وهو كفر به ، وأين يذهب مغاضبا من ربه وليس له مكان ، فإنه محيط بكل كائن ومكان ، وهو مع كل انس وجان ! ثم « مغاضبا » تعني غضب المتناوئين ، فليس غضبانا حتى يعنيه هو على ربه وسبحانه ، وانما « مغاضبا » وطبعا مع من كانوا معه في قريته ، فقد غضب عليه قومه لكرور دعوته وصموده في دعايته ، فأيس منهم وغضب عليهم ف « ذَهَبَ مُغاضِباً » غضبا على قومه في ذات اللّه إذ غضبوا عليه لدعوته الدائبة إلى اللّه ، فأيس من ايمانهم باللّه ، ولكنهم كان لهم استعداد للايمان ما كان يعلمه يونس ولا رجاه : « فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ » ( 10 : 98 ) . فلان الموقف كان موقف الإياس من ايمانهم ، فلم ير - / إذا - / بأسا من الذهاب عنهم مغاضبا ، ولان ذهابه كان ذهاب المغاضب دون فرار عن الدعوة أم تمهّل فيها « فظن » حسن ظنه بربه « أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ » تضييقا في ذلك الذهاب ، فليس « نقدر » من القدرة ،