الشيخ محمد الصادقي الطهراني
525
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
متسابقين متهافتين على نظرة رضى وكلمة ثناء ، ليتهم يعتبرون بأحسن القصص ، وليعلموا أن العزة والإباء يدرّ عليهم أضعافا من إدرار التمرغ والتزلّف والانحناء أمام ذوي السلطة والكبرياء « وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ . . . وَلَأَجْرُ الآْخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ » ( 57 ) . « . . فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ » خلاف ما قبل اليوم لمّا طلب إليه للمرة الأولى « ائْتُونِي بِهِ » ! لست أنت اليوم الفتى العبراني المشرى بثمن بخس دراهم معدودة ، لعبة العزيز وامرأته ، وإنما أنت « الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ » ذو مكانة عالية مرموقة ، ولا أنت المهدّد بالسجن أو عذاب اليم ، وإنما أنت « لدينا اليوم أمين » ، وتراه في ملتقاه مع الملك أخذ يتملق له بقولة أو فعلة كما يفعله رجال الحاشية ؟ كلا ولا في شطر كلمة ، فالنص « فَلَمَّا كَلَّمَهُ » فالملك هو البادئ بالكلام دونه ، اللهم إلا بسلام والسلام ، وفي ذلك الكلام الملكي الهام : « إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ » نرى كل مراتب العزة والإكرام ، دون ألفاظ مرسومة خاوية في المواجهات العادية ، وإنما كلام مكين أمين ، حيث الملك ليس ليهاب أحدا أو يماريه حتى يجاريه في كلمة خاوية المرام . هنا مثلث التأكيد للمكانة والأمانة ، المستفاد من حرف التأكيد وتقدم الظرفين ، يؤكد له المكانة والأمانة الخاصة المتميزة ، والسلطة الصالحة لإدارة أمور المملكة بحاجة جذرية ماسة إلى تلك المكانة والأمانة ، ولا سيما في تلك الظروف الحرجة الهرجة ، وفي الحق يلمح من كلامه هذا حكم صدارته العليا بعده ، قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) . « إِنِّي حَفِيظٌ » لشتات الأمور ومتفرقاتها لأجمع شملها ، ولمجموعاتها عن تمزقها وشتاتها ،