الشيخ محمد الصادقي الطهراني

502

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الحاصلة للاوّل بتبشيره ولآلخر بإنذاره ، وعلّ الآخر أخذته الريبة في تأويله تخوفا ، والآخر أخذته تبجحا وتنشفا ، لذلك يؤكد صدق فتواه في تأويله بقضاء الأمر ومضيّه ، والأمر المستفتى فيه هو الرؤيا ، وقضاءه تحقق تأويله ، وهذا أولى بأدب اللفظ وحق المعنى ، دون تحميل على الآية ولا تأويل دون دليل ! وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ( 42 ) . 102 « وقال » يوسف بعد قضاءه أمر صاحبي السجن وإفتاءه ما أفتى « لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا » أتراه هو الذي ظن فيما أفتاه وقضاه ؟ والقضاء علم ! ولا سيما أنه من تعليم اللّه : « ولنعلمنه من تأويل الأحاديث » ! فهل إن اللّه يظن كما الخلق ؟ أم إن النبي يظن فيما يقضي به بالوحي ؟ . أم الذي أفتى بنجاته هو الذي ظن ؟ وقد يؤيده « قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ » حيث يلمح أنهما لم يصدقاه تماما ، وهو طبيعة الحال فيمن لم يؤمن بالوحي والرسالة ، فإنما آمن بما قضي له ظنا إذ كان لصالحه ، وهو قضاء رجل محسن صالح « إِنَّا نَراكَ مِنَ الُمحْسِنِينَ » . وقد يعني فيما عناه ظن يوسف أيضا ، حيث العلم الظاهر هو في الحق ظن ، إذ « يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » اللّهم إلّا في أحكام الشرعة فلا محو فيها إلّا نسخا ، فرغم أن يوسف كان يعلم بما علمه اللّه أنه ناج ، ولكنه مما يتحمل المحو والإثبات فعلّه يمحى أو علّه يثبت ، فلذلك يصح التعبير أنه ظن ، ولكن أين ظن من ظن ؟ ظن الناجي قصورا لعدم الإيمان ، وظن يوسف عالما لقمّة الإيمان ، أن للّه أن يمحو ما علّمه وقضاه . « قالَ . . . اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ » لما نجوت ، أذكر أنني في سجنه حيث أنسوني بتهمة المراودة « حَتَّى حِينٍ » واذكر حالي « إِنَّا نَراكَ مِنَ الُمحْسِنِينَ » وعلمي بتأويل الرويا ، علّه يحتاجني