الشيخ محمد الصادقي الطهراني
451
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
« يبكون » حيلة أخرى يتسترون وراءها ، تبرئة لهم عما يتهمون ، حيث القاتل لا يبكي على مقتوله وهم « يبكون » ! « قالُوا يا أَبانا » نداء تجمعهم ويوسف في أخوّتهم من أب واحد ، وتستجيش رحمة الأبوة عليهم « إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ » في عدو ، ولم يكن أخونا الطفل ليسطع سباقا ، ولا معنا رفاقا ، ثم من ينظر متاعنا « وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ » ! ولكن ما لهم والاستباق وخطر الذئب حادق في البرية زعمهم ، وهم أكدّوا لأبيهم من قبل أكيد الحفاظ عليه ، لكيلا يأكله الذئب ، ثم ويوسف الطفل الذي لا يسطع مصاحبتهم في سباقهم كيف يسطع مقاتلة السارق وقد أوّل له رؤياه من قبل « وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ . . » فيكف يصدقهم أنّه أكله الذئب ؟ وهذه كلها آيات بينات لكذبهم المختلق الجاهل ، دونما تفكير سدا لثغراته ، وصدا عن تهماته . ولكنهم لكي يبعّدوا كذبهم ويقرّبوا صدقهم ، يتظاهرون بمظهر المظلومين المهضومين في قولة ماكرة : « وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا » تؤمن لنا قولنا « وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ » على فرض المحال ، و « لو » هنا ، المحيلة صدقهم في تنازلهم ، لها موقعها في تشكيك يعقوب لأقل تقدير ، فبطبيعة الحال أنت تكذبنا حيث الشغف البالغ في حب يوسف يمنعك عن تصديقنا « وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ » وثبت لديك صدقنا ، كيف وأنت متشكك فينا ، أم وتتهمنا أننا كاذبون . ولكي يثبتوا صدقهم « وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ . . » لائح كذبه ، لاختلافه عن دم الإنسان ، وليس في نفس الدم أثر الافتراس ، بل هو نزح ، والقميص السليم غير الممزق شاهد ثالث أنه دم كذب فهم تورّطوا بفعلة واحدة في ثالوث الكذب . صحيح أن الدم لا يوصف بالكذب ، ولكنه كان مكذوبا فيه لحد كأنه تجسيد للكذب ، حيث الدعوى التي علّقت به كانت في غاية الكذب ، وعلى حدّ المروي عن يعقوب « اللهم