الشيخ محمد الصادقي الطهراني

450

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

فقد نبئ يوسف وهو في الجب على صغره ولما يبلغ الحلم ، ولكنها نبوءة دون حكم وعلم البلاغ : « وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الُمحْسِنِينَ » ( 22 ) وذلك قبل ان تراوده امرأة العزيز ، وبعد قوله لها « أَكْرِمِي مَثْواهُ » فقد طالت سنون منذ اشترائه وهو طفل قبل الرهاق « 1 » إلى بلوغ أشده ولكي يصلح لمراودة جنسية . هنا نودع يوسف في غيابت الجب في تصارع بين ظلماتها وأهوالها وبين نور الوحي الأمين ، لنرى بماذا يرجع إخوته إلى أبيه وما هي ردة فعله : وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 ) . هؤلاء الإخوة احتالوا من قبل كل الحيل لأن يذهبوا به ، والآن هم في احتيالات لتغشية أمرهم الإمر على أبيهم ، وأنّى ينجو الكاذب ويفلح ، ويكاد المريب أن يقول خذوني ، فقد ألهاهم الحقد الفائر عن سبك الكذب ، متسرعين في اصطناعه كما تسرعوا في استلاب يوسف من أبيه ، فالتقاطهم لحكاية الذئب المكشوفة دليل على التسرّع ، فقد كان أبوهم بالأمس يحذّرهم منها وهم ينفون ، ويكادون عليه يسطون ويتهكمون ، إذا فكيف يتركون يوسف وهم يستبقون ؟ . « وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ » فرجوعهم عشاء حيلة أولى ، ولئلا يتطلب منهم أن يتحسسوا عنه فورهم ، حيث العشاء ظلام لا يبين ، وخطر أخطر من ذئب النهار ، ومن ثم

--> ( 1 ) . تفسير العياشي عن زيد الشحام عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : كان ابن سبع سنين