الشيخ محمد الصادقي الطهراني

307

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

نفسا ودينا وعقلا ومالا وعرضا ، فالبخس إياها محرم ، وتركها تخرم أيضا محرم ، ومحاولة التعاون في كمالها راجحة أم واجبة ، فإخسار الكيل واعوجاج القسطاس وبخس أشياء الناس إفساد ، والعبث في الأرض إفسادا وهو السعي فيه إفساد على إفساد ، في أية ناحية من واجب الصلاح والإصلاح من النواميس الخمس . فالإفساد الاقتصادي له دور هام بين سائر الإفساد ، ينهى عنه كما ينهى عنها في سائر الشرائع الإلهية ، إصلاحا للحالة المعيشية التي تلعب دورا عظيما في صالح الناس ، وإبعادهم عن شر النسناس الخناس . وأخيرا يستجيش شعيب مشاعر التقوى في نفوسهم كما بدأ ، تذكيرا لهم بخالق الخلق أجمعين : وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ 184 . « الجبلة » هي الخليقة المجبولة المطبوعة بطابع الفطرة التي فطر الناس عليها ، فهي كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف ، فمهما تحرك من الإنسان أيّ من أشياءه عقلا وعلما وجسما ، فالفطرة الإنسانية ثابتة كحجة بالغة لا تزول . فالمؤمنون من الأوّلين كانوا يتقون ، والمتخلفون منهم عن شرعة اللَّه هم المتخلفون عن جبلتهم فلما ذا قفوا آثارهم ، فأنتم على آثارهم تهرعون ؟ ! قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ 185 وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ 186 . صيغة مطردة مكرورة بين المكذبين برسالات اللَّه ، كأنهم تواصوا به ! شيطنة مدروسة مدسوسة بينهم كشريطة تدار على أسماع الدعاة إلى اللَّه . ولا فحسب التكذيب ، بل والتحدي بأن يأتوا بعذاب اللَّه إن كانوا صادقين :