الشيخ محمد الصادقي الطهراني
280
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
انباء مختصرا غير محتصر ، فالذاريات بما معها من آيات تفصله تفصيلا « إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ » فجأة دونما استئناس ولا تعريف بأنفسهم أمّا يقصدون ، وإلا فكيف « قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ » ؟ فإنما « قالُوا سَلاماً » وهو عليه السلام رد عليهم السلام « قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ » لا نعرفهم ! . وهنا نتأدب بالأدب الرسالي ، وهو واجب تكريم الضيف وتقديم الإضافة الميسورة له مهما كان منكرا لا نعرفه ولم يستأنس معنا من ذي قبل . و « سلاما » بعد « قالوا » ليس فقط صيغة السلام ، وإلّا كان « سلام » كما في جوابهم ، فقد يكون : كلاما سلاما ، أو قولا سلاما أم اي سلام يحق على الوارد ان يقوله ومنه تحية السلام ، وحتما كانت في قولهم سلاما ، وإلّا لما كان له الجواب « سلام » و « عليكم » المحذوفة ، وهنا نتأدب بأدب الدخول للضيف المكرمين مهما كانوا منكرين ، ومنه واجب السلام قولا وفعلا « فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً » ( 24 : 61 ) . ثم « قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ » لم يكن إلّا بعد « سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ » وبعد ما قدم لهم ما قدم « فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً » ( 11 : 70 ) وليكن إيجاس الخيفة والوجل مسنودا إلى سبب ظاهر ، دون انهم - / فقط - / قوم منكرون ! فلا تحل اية تهمة على من لا تعرفه بسند انك أنت لا تعرفه ، وحتى إذا صدر منه ما يخيف فلا توجس منه خيفتك ، بل أظهر هاله مصارحا كما صرح إبراهيم : « إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ » مصارحة بالحق ما أحلاها ، دون مسايرة محايرة بايجاس الخيفة ، وقد تخلّف تبعات سيئة شئت أم أبيت . قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ( 53 ) . ونفس البشارة بهذه الخارقة الغريبة لمحة صارخة مصارحة انهم لم يكونوا بشرا ، بل هم ملائكة يحملون وحي اللَّه اليه في هذه البشرى السارة « بِغُلامٍ عَلِيمٍ » ومن قبل في إسماعيل