الشيخ محمد الصادقي الطهراني

62

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وهنالك الأيدي التي في أفواه المرسل إليهم هزءً ترد إلى ما كانت إذ لا يقدرون على شيء مما كسبوا ، وقد كانوا إذا بدأ عليهم الرسل بكلام سدوا بأيديهم اسماعهم دفعة ، وأفواههم دفعة ، إظهارا منهم لقلة الرغبة في سماع كلامهم وجواب مقالهم ليدلوهم بفعلتهم على أنهم لا يصغون لهم إلى مقال ولا يجيبونهم عن سؤال ولا يعتنون بشأنهم على أية حال ، إذ قد أبهموا طريقي السماع والجواب وهما الآذان والأفواه وكما عن قوم نوح « وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً » ( 71 : 7 ) . والتي في أفواههم عجبا من بينات الرسل ترد إلى ما كانت لحالة اعتيادية تصديقا لهم وتسليما . والتي في أفواه الرسل من الناكرين ترد إليهم فالجة خارجة عما هي فيه فان الباطل كان زهوقا . والتي في أفواه الرسل من أنفسهم لمّا ييأسوا ترد إلى استدرار الدعوة فان للحق دولة وللباطل جولة ، « وغلب هنالك المبطلون » . فكل الأيدي والايادي ، وكافة الأفواه فاشلة عاطلة امام أفواه الرسالات وأيديها واياديها مهما زمرَّ الباطل ودمّر ، فإنها سوف تزمجر وتدمّر ، فان الحق يملك كافة البينات مهما أنكرها الناكرون ، والباطل لا يملك الا دعايات زور وغرور « وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً » . فردّ الأيدي قد يعني ردها إلى ما كانت ، وأخرى ترديدها في الأفواه مرارا وتكرارا حيث كانوا يكثرون جعلها في أفواههم عند كلام الرسل . « فَرَدُّوا . . . وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ » ويكأنهم يكفرون بمادة الرسالة مع التصديق بأصلها ، فهنا « بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ » دون « بالرسالة » وذلك تناقض بين ، أم وتشمل الرسالة باحتمال « ما » مصدريتها على هامش انها موصولة ، وضمير الغائب « به » برجوعه إلى « ما » تؤصّل بموصوليتها نكران مادة الرسالة والجمع أجمل واشمل .