الشيخ محمد الصادقي الطهراني
407
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وقد يعني « من كلّ » كلا من مختلف دواب الأرض حفاظا على أنسالها ، ومن مختلف نباتها حفاظا على بذورها ، ف « زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ » في الدواب تعني ذكرا وأنثى ، وفي النبات تعني بذر الذكورة والأنوثة ، ولكن بذور النبات والبعض من النبات نفسه تبقى في الماء صالحة للإنماء ، إذا ف « من كلّ » تعني - فقط - دواب البر ككل دون إبقاء ، ولو أن اللّه كان يريد خلقها من جديد لما كان في حمل زوجين من كل معنى ، فلا بد أن تعني « من كلّ » كل الدواب البرية التي لا تعيش في بحر أو جوّ . ثم « زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ » قد تعني « زوجين » ذكر وأنثى ، ولكي لا تعم الجنسين وهما غير حاصرين في شخصين وصفهما ب « اثنين » ذكر واحد وأنثى واحدة ، حيث يكفيان للإنسال . ثم و « احمل » أهلك إلّا من سبق عليه القول ، كامرأته حيث « ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ » ( 66 : 10 ) ثم « وَمَنْ آمَنَ » من غير أهلك « وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ » . ذلك ، وأما ابنه الكافر وهو من أهله ولم يسبق عليه القول اللّهم إلّا لمحة من امرأته السابق عليها القول لكفرها ، وقد امتحن نوح فيه حين سأل : « إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي » كما يأتي . وكيف يتقدم هنا الدواب على المؤمنين ، وإيمانهم يقدّمهم على من سواهم وما سواهم ؟ لأن الدواب لا تشعر بالخطر ، ولا بد لمن يحملها إلى الفلك ، ثم المؤمنون هم بأنفسهم يدخلون الفلك ، بعد ما أدخلوا هذه الدواب . وهنا « ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ » إيمانا معه باللّه حيث هو المحور الأصيل في الإيمان ، والقلة كأنها هي الضابطة في كتلة الإيمان على مدار الزمن ، وكما في آيات عدة وروايات ، منها ما يروى عن علي أمير المؤمنين عليه السلام من قوله : « ولم يخل أرضه من عالم بما يحتاج الخليقة إليه ومتعلم على سبيل نجاة ، أولئك هم الأقلون عددا وقد بين اللّه ذلك من أمم الأنبياء وجعلهم مثلا لمن تأخر مثل قوله في قوم نوح « وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ » * .