الشيخ محمد الصادقي الطهراني

405

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

هل هو على شاطئ البحر ؟ ولم يكن يسكن على شاطئ ! ولا أنه يصنع ذلك الفلك لبحر ! بل هو للطوفان الذي يجعل الكرة الأرضية بحرا ، فلذلك ، وأن صناعة الفلك - وإن كانت على شاطئ البحر - ليست لها صلة بالعذاب الموعود ف « كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ » : « ويقولون تعمل سفينة في البر وكيف تجري » * . وقد « جعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون : قد قعد غرّاسا ، حتى إذا طال النخل وكان جبارا طوالا قطعه ثم نحته فقالوا : قد قعد نجارا ، ثم ألفه فجعله سفينة فمروا عليه يضحكون ويسخرون ويقولون : قد قعد ملاحا في فلاة من الأرض ، حتى فرغ منها » * . فقد أخذوا يقولون ويتقولون ملأ أفواههم ساخرين منه منذ بزوغ دعوته حتى غرقهم ، فقبل أن يصنع الفلك كانوا يسخرون منه ، كيف يرسل ذلك الرجل الفقير ومعه أراذلنا بادي الرأي ، ومنذ أخذ في صناعة الفلك سخروا منه أنه تحول نجارا يصنع فلكا لكي يفلت منا ولكن لما ذا في الفلاة . « قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ » « نَسْخَرُ مِنْكُمْ » حين تسخر منكم أمواج البحر الحيط الملتطم « كَما تَسْخَرُونَ » جزاء وفاقا « فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ » حين نخلص من صناعة الفلك ويجيء أمر اللّه « مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ » في خضمّ الطوفان « وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ » منذ الغرق إلى يوم القيامة الكبرى ، ف « مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً » ( 71 : 25 ) . ذلك « ويصنع » مضارعة لحكاية الحال الماضية تصويرا لها كأنها حاضرة ، ثم « فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ » جمعا حيث كان معه جمع المؤمنين في صنع الفلك ، وهي طبيعة الحال في القلة المؤمنة أمام الثّلة الكافرة . والسخرية جزاء لسخرية ليست من الجهالة ، بل هي من العدالة « فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » ( 9 : 79 ) ( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ » ( 2 :