الشيخ محمد الصادقي الطهراني
357
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
ضالون عن سبيل الحياة الراقية ! . هذه الجاهلية المتحضرة ! تقول للفتاة التي لا تكشف عن لحمها وعورتها : إنها رجعية ، كما تقول للشباب المؤمن الذي لا يسافد البنات كالحمير : إنه رجعي ، وتقول لمن يترفع اهتماماته عن جنون السكر والأفلام الخلاعية ، وجنون الرقص والحفلات الفارغة ، تقول : إنه جامد ميت . فالجاهلية هي الجاهلية مهما اختلفت شكلياتها وظروفها وملابساتها . وهنا إجابة عن عجابهم الشباب « أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ » عطفا على سائر العجاب في مجيء ذكر من ربهم « عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ » في رجولة البشرية ، أعجبتم أن اللّه يهديكم سبيل الرشاد « أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ » دون اختلاف عنكم في طبيعتها وقضيتها وجواذبها ونوازعها لكي تتم حجة اللّه عليكم في رسالة من هو « منكم » قطعا لكافة الأعذار ، وأنسا بالمماثل « لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا . وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لايَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاتُنْظِرُونِ » ( 71 ) . تحدّ سافر من نوح لقومه المتعنّتين المتعنّدين : « إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي » فيكم رسولا داعيا إلى اللّه « وَتَذْكِيرِي » إياكم بآيات اللّه « فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ » في بلاغي المستمر بينكم لرسالة اللّه ، ثم لا أخاف أحدا إلّا اللّه ، فافعلوا ما شئتم بحقي صدا عن بلاغ رسالة اللّه « فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ » عليّ إمرا ملتويا ، كما تستطيعون عن بكرتكم « وَشُرَكاءَكُمْ » الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ، استنفارا عاما بين العابدين من دون اللّه والمعبودين « ثُمَّ لايَكُنْ أَمْرُكُمْ » ذلك الأمر لاستئصالي « عَلَيْكُمْ غُمَّةً » غما عليّ ورحمة ولا غماما فلا ترحموني في ذلك الاستنفار النفار « ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ » بكل أمركم بشركائكم حيث لا حول ولا قوة فوقه « وَلاتُنْظِرُونِ » أبدا نظرة النظر في أمري أم أية نظرة .