الشيخ محمد الصادقي الطهراني
358
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
أجل « فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ » إجماعا في شورى ، بإجماع بالكم وكل حالكم ، وبالغوا في قدح الرأي بينكم حتى لا يكون أمركم غمة عليكم ، أي : مغطى تغطئة حيرة ، ومبهما إبهام جهالة ، فيكون عليكم كالغمة العمياء والطخية الظلماء ، وذلك مأخوذ من : غم الهلال ، إذا تغطي ببعض الغمام التي تمنع من رؤيته ، ثم افعلوا بي ما أنتم فاعلون على مكانتكم . فهذه حلقة أخيرة من تحدي نوح عليه السلام بعد إنذار وتذكير طويل طال ألف سنة إلّا خمسين عاما ، حلقة تختصر كل تفاصيل دعوته الطويلة ومواجهتهم العنيدة العتيدة ، قضيةَ الاختصار . وهنا « اقْضُوا إِلَيَّ » دون « علي » لمحة باهرة أنهم ليسوا ليقضوا عليه بكل قواتهم ، إنما « إلي » قصدا لغاية القضاء علي . أنا كرسول من اللّه كل استعدادي هو التوكل على اللّه ، وأنتم كمكذبين إياي أجمعوا أمركم وشركاءكم ككل ، ثم انظروا من هو السابق في ذلك السباق . فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 72 ) . « فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ » رغم هذه الحجة الأخيرة المتحدية المتهددة ، « فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ » حتى يكبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات اللّه ، فما داءكم بعد وما دواءكم ، حجة بالغة تبلغ بكم إلى الحق المرام دون أن تكلفكم أجرا « إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ » الذي حمّلني رسالتي إليكم « وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ » للّه في حمل هذه الرسالة ، تحملا لكل أعباءها والتواءاتها دون أية وقفة في أيموقف . تحدّ صريح مثير ، الذي لا يفعله إلّا المالئ يديه من طاقة لا تغلب أمام كافة الطاقات من هؤلاء الجماهير الضخمة ، يحرضهم على أن يهاجموه بقوة جمعية واحدة دون إنظار ولا غمة ، وذلك برهان لا مردّ له ولا حول عنه إلا على من ركز العناد في قلبه . أجل إنه كان معه الإيمان باللّه والتوكل بكل كيانه على اللّه ، القوة التي تتصاغر وتتضاءل