الشيخ محمد الصادقي الطهراني
206
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
والجواب الحاسم أولًا « لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ » وثانيا « وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا . . » فما هو الأمر المقضي ؟ هل هو قضاء أمر الحياة فلا تكليف - إذا - فلا نتاج لنزول الملائكة ؟ كما « لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أجلهم » ( 10 : 11 ) واستحقاق قضاء الأجل بالشر ليس ليحيل نزول الملائكة ، وقد يؤمنون لو أنزلت ! . « أم هو قضاء أمر الحياة استئصالا لهم إذ لا يؤمنون ؟ » « وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ » ( 6 : 111 ) ف « يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لابُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً . . . وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا . الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً » ( 25 : 23 ) ولماذا يستأصلون حيث يجوز إيمانهم إن شاء اللَّه ! . أم هو قضاء أمر التكليف لأن انقلاب الغيب إلى الشهادة يرفع الابتلاء والتمحيص ، ف « هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ » ( 3 : 210 ) وكيف - إذا - يزول دور التكليف ؟ . علّ الأمر المقضي هو مجموع الأمور ، إذ لو آمنوا عند نزول الملائكة فلا ابتلاء بتكليف ، ولو أنهم كانوا من أهل الايمان ببرهان لكفاهم برهان الرسالة الذي تقبله العقول ، فان آمنوا قضي الأمر تكليفا وإن لم يؤمنوا قضي أمر حياتهم باستئصالهم كما هو سنة اللَّه فيما بلغت الحجة مبلغ النار على المنار والشمس في رايعة النهار . إذا فلا طائل لهم تحت نزول الملائكة إلّا زوال التكليف أم زوالهم ، فهو مستحيل في الحكمة الربانية التي تربي العباد بما يصلحهم . والمحاولة الرئيسية القرآنية هي إخراج الإنسان من دائرة المحسوس الضيقة إلى إدراك أن هناك غيبا في ذاته ، ظاهرا بآياته ، والرسالة الملائكية تغلق ذلك المجال دون الإدراك الانساني ، فهي - إذا - نكسة إلى الوراء وارتجاع إلى الجاهلية المادية التي ليست لتصدق