الشيخ محمد الصادقي الطهراني
203
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
بينهما . وهذه موجة عريضة في مطلع السورة ، تخاطب ضمير الإنسان بدليل آيات الرب الكامنة في الأنفس ، والمكتملة في الآفاق . وليس ذلك خطابا لاهوتيا فلسفيا يختص بالمتفلسفين واللّاهوتيين ، إنما هو خطاب موجه إلى كل الفطر والعقول والحواس والعلوم في كل الحقول على درجاتها . والتذكير بآيات ربهم هو الموجه الغامرة الكون كله ، بكل الآيات الربانية آفاقية وأنفسية ، وترى ما هو سبب إعراضهم عن آيات ربهم حين تأتيهم ؟ : فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 5 ) : « الحق » - ككل - الآتي من قبل الحق ، المزود بآيات ربوبيته ، إنهم كذبوه إعراضا عنها كيلا يصدقوه ، ومثلهم كمثل من قال عنهم نوح عليه السلام : « وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً » ( 71 : 7 ) . ذلك « فسوف » في مثلث النشآت « يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » ومن أنباءه هنا عذاب الاستئصال ، ومن ثم عذاب البرزخ والقيامة . ولأن النبأ هو خبر ذو فائدة عظيمة ، وهو يعم واقع النبأ إلى الإخبار به ، لذلك فقد تشمل الإنباء مثلث النشآت إخبارا وواقعا ، مهما لم تفدهم أنفسهم إلّا هنا لو كانوا ينتبهون كما في قوم يونس ، أم ولا أقل من إفادتها سائر الناس ، وأما في البرزخ والقيامة فلا فائدة لهم منها إلّا بائدة . أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ( 6 ) : القرن - وهو الردف والاقتران - وهم هنا القوم المقترنون في زمن واحد متصل ، ولأن