الشيخ محمد الصادقي الطهراني

204

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

العمر المتعود للإنسان لا يعدوا مائة سنة ، لذلك سميت قرنا قضية اقترانهم في كل مائة مائة ، انقراضا للسابق وافتتاحا للّاحق ، فقد لا يختص القرن بذلك الزمن المحدد ، حيث الأصل هو كل ردح زمني لأمة تعيشه ، مائة أما زاد أو نقص . « أَ لَمْ يَرَوْا » رؤية تأريخية جغرافية بما وصلتهم من أنباء من « أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ » وقد « مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ » - « وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاأَبْصارُهُمْ وَلاأَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » ( 46 : 26 ) . « مكناهم » بسلطات زمنية وقدرات مالية ورحمات منها غزيرة ، ولكنهم - بما كانوا يجحدون بآيات اللَّه وما كانوا يستهزءون - « فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ » دون أن تغينهم عن بأسهم مكنتهم ولا عن بؤسهم مكانتهم « وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ » مثل قرنهم ، قرنا بهم بعدهم ليبلوهم فيما آتاهم ، ف « كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً » ( 19 : 74 ) و « هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً » ( 50 : 36 ) ف « هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ » ( 19 : 98 ) ؟ كلّا بل « فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ » ( 38 : 3 ) وقد مضى يوم خلاص ! . فالذنوب هي التي تخلّف الهلاك ، هنا نزيرا ، وهناك بعد الموت غزيرا ، ومن رحمات اللَّه على المؤمنين أن قد يأخذهم بذنوبهم هنا كيلا يؤخذوا بها هناك وأين أخذ من أخذ ؟ . وهنا « وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ » تعني جماعة بعدهم إذ أهلكوا بالطاغية . وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) : هؤلاء المعرضون عن آيات ربهم لا يفرّقون بينها في تكذيبهم مهما تطلبوا كتابا في قرطاس ينزل من السماء ملموسا لهم بأيديهم حيث يتقولون قولتهم الفاتكة الهاتكة : « إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ » فما تفيدهم إذاً آيات مقترحات كما سواها من آيات . لقد اقترح مشركون ومعهم كتابيون تنزيل كتاب من السماء ، فكما لهؤلاء : « لَنْ نُؤْمِنَ