الشيخ محمد الصادقي الطهراني

180

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

« وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً » قادرا على إرسال الرسل فلما ذا لا يرسل « حكيما » في مادة الإرسال ونوعيته فلما ذا لا يرسل ، فعزته تعالى وحكمته حجة عليه من الناس لو لم يرسل رسلا مبشرين ومنذرين ، ولذلك كله : « فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبيائه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته ويحتج عليهم بالتبليغ ، ويثيروا لهم دفائن العقول ، ويروهم آيات القدرة ، من سقف فوقهم مرفوع ، ومهاد تحتهم موضوع ، ومعايش تحييهم ، وآجال تفنيهم ، وأوصاب تهرمهم ، وأحداث تتابع عليهم ، ولم يخل اللّه سبحانه خلقه من نبي مرسل ، أو كتاب منزل أو حجة لازمة ، أو محجة قائمة ، رسل لا تقصر بهم قلة عددهم ، ولا كثرة المكذبين لهم ، من سابق سمى له من بعده ، أو غابر عرفه من قبله ، على ذلك نسلت القرون ومضت الدهور وسلفت الآباء وخلفت الأبناء إلى أن بعث اللّه نبيّه محمدا صلى الله عليه وآله « 1 » . وصحيح أن للّه الحجة البالغة في الآفاق والأنفس بما منحهم من الفطر والعقول ، ولكنه سبحانه رحمة لعباده ، وتقديرا لكون خلقه في أحسن تقويم ، ولغلبة الشهوات على ذلك الحسن القويم ، اقتضت رحمته التي كتبها على نفسه أن يرسل إليهم « رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ » يذكرونهم ويبصّرون محاولة استنقاذ فطرهم وتحرير عقولهم من ركام الشهوات التي هي حجابات عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الآفاق والأنفس . ودور العقل بين رسالات الوحي الآفاقية والأنفسية هو دور الوسيط بين الفطرة والشرعة الربانية ، وكما أمرنا بإقامة وجوهنا للدين حنفاء « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » ( 30 : 30 ) . فبالفطرة والعقل تعرف شرعة اللّه ، ثم في تجاوب صالح بينهما يتعرف إلى مرماها ومغزاها ، دون استقلالية بجنبها ولا استغلالية بها ، فإنما هو التسليم السليم أمام وحي الشرعة الربانية ، المكملة لوحي الفطرة والعقلية الإنسانية .

--> ( 1 ) . نور الثقلين 1 : 576 في نهج البلاغة قال ( عليه السّلام ) : فبعث .