الشيخ محمد الصادقي الطهراني
18
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
بالبلاء وهو اعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز فذلك الذي نجاه اللّه من السيئات ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذي قد أفتتن « 1 » . وهكذا يخاطب اللّه الجماعة المسلمة الأولى - والى البقية حتى الأخيرة - توجيهاً إلى تجارب الجماعات المؤمنة التي خلت من قبل ، وإلى سنته السنية في تربية عباده المختارين ، الذين يكل إليهم راية الإيمان ، وينوط بهم أمانة الإيمان ، خطاباً مطرداً لكل من يختار لذلك الدور العظيم . وإنها تجربة حلوة مرة مرت مع الزمن الرسالي على مدار الزمن ، ان تمسهم البأساء والضراء : الشدة التي تصيب الإنسان خارج نفسه أو داخلها « 2 » فيزلزلوا على صامد إيمانهم « حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ » فيجابوا : « أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » مهما بعدت مدته ، فان كل آت قريب ، ولا سيما لهؤلآء الذين ينصرون اللّه فإنه هو ناصرهم قريباً أم بعيداً وهو على أية حال قريب . إن نصر اللّه مدخر لمن يستحقونه ، موعود لهم حين يستحقونه ، وهم الذين لا تزل بهم الزلازل ، ولا تزعزعهم عن إيمانهم القلاقل ، ولا يحنون رؤوسهم للعواصف ، ولا تكسر ظهورهم بالقواصف ، حتى تبلغ البأساء والضراء والزلزال ذروتها ، فملئت الأرض ظلماً وجوراً ، فهنالك يبعث اللّه مهدي الأمم وصاحب الكلم صاحب العصر وإمام الدهر الحجة بن الحسن القائم عجل اللّه تعالى فرجه الشريف ، الذي به يملأ اللّه والأرض قسطا وعدلًا كما ملئت ظلما وجورا .
--> ( 1 ) . المصدر اخرج الحاكم وصححه عن أبي مالك قال قال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) . . ( 2 ) . قال ابن عباس : لما دخل رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) المدينة اشتد الضرر عليهم لأنهمخرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين وأظهرت اليهود العداوة لرسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) فأنزل اللّه : أم حسبتم . . » وقال قتادة والسدي : نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والحزن وكان كما قال اللّه : وبلغت القلوب الحناجر وتظنون باللّه الظنونا