الشيخ محمد الصادقي الطهراني

19

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ذلك نصر اللّه المطلق المطبق ، ثم له نصر قبله قدر ما حاولوا وجاهدوا في اللّه : « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » . فلقد وعد اللّه المرسلين والمؤمنين النصر : « إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ » ( 40 : 51 ) ولكن البأساء والضراء قد تزلزلان المؤمنين حتى يضطر الرسول ان يقول : متى نصر اللّه « حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا » ( 12 : 110 ) . وذلك استيئاس من إيمان من كفر واطمئنان من آمن ، فعند ذلك « جاءَهُمْ نَصْرُنا » . وهنا ضمير الجمع في « ظَنُّوا أَنَّهُمْ » راجعان إلى المرسل إليهم الذين أيأسوا الرسول من إيمانهم إذ تسبقهما : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الآْخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ » . لذلك استيأس الرسل من المكذبين ومن تقدم دعوتهم فيهم « و » الحال انهم أولاء المكذبين « ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا » في هذه الرسالات ، أن كذبهم الرسل فيما جاؤوا به ، وذلك تكذيب لرسالاتهم ، والتعبير بالظن - وهو هنا الحسبان - لأنهم لا يملكون أية حجة تؤكد لهم كذبهم ، بل الحجج الصادقة تصدقهم ، فإنما ظن هؤلاء الأوغاد المناكيد كما يظن الدهريون ، ظناً هو أدنى من الوهم إذ لا يملك أية حجة حتى على الوهم ، فضلًا عما فوقه أو راجح الإعتقاد . وعند استيئاس الرسل وذلك الظن الكافر البائس « جاءَهُمْ نَصْرُنا » بخارقة ربانية تثبت حقهم وباطل مناوئيهم « فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ » رسلا ومصدقين لهم « وَلايُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الُمجْرِمِينَ » بحق الرسل والرسالات . وقد تعني « فَظَنُّوا أَنَّهُمْ » - فيما عنت - الرسل ، أنهم لطول استيئاسهم عن المرسل إليهم ، - كفراً من بعض ونفاقاً من آخرين ، وزلزال الإيمان من جمع من المؤمنين - « ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ