الشيخ محمد الصادقي الطهراني
153
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وحضرا ، ثم الدعوة القرآنية عالمية تقتضي عامة الخطابات إن في مكة أو في المدينة . لقد قال الأولون « ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ » ( 36 : 15 ) استبعادا لرسالة البشر ، وأنكر الآخرون نزول كتاب بعد موسى وعيسى عليهم السلام كأن اللّه عاجز عنه بعدهما ف « قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً » « 1 » وقد تركتم نوره وهداه وراء ظهوركم « تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ » فاضية عن الوحي وهي فائضة بالوحي « قَراطِيسَ تُبْدُونَها » حيث لا يظهر فيها وحي إذ حرفتموه « وَتُخْفُونَ كَثِيراً » منها ، الذي لم تقدروا على إمحاءه وتحريفه ، « وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلاآباؤُكُمْ » في ذلك الوحي النور والهدى ، وسائر الوحي قبل التوراة . وهنا الخطاب في « تجعلونه » هو قضية الخطاب في « قل » ف « تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ » غيابا لا تناسب الخطاب ولا سيما العتاب الذي هو قضية الخطاب ! . ف « علمتم . . » برهان قاطع آخر على إنزال كتاب الوحي ، فإن من العلم ما ليس يكتسب بأية وسيلة متعوّدة وقد علّمتموه ، وهو الفاصل بينكم وبين المشركين الذين لا يعلمون ما علّمتم ، فالصيغة الحاكية عن المشركين في القرآن هي : « الَّذِينَ لايَعْلَمُونَ » والحاكية عمن سواهم « أهل الكتاب » فلا سبيل لهؤلاء إلى نكران الوحي ، بحجة أولى « من أنزل . . . » ولا ثانية « وعلمتم » ، ف : من أنزل ومن علم ؟ :
--> ( 1 ) . الدر المنثور 3 : 29 - / اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال جاء رجل مناليهود يقال له مالك بن الصيف فخاصم النبي ( ص ) فقال له النبي ( ص ) أنشدك بالذي انزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة ان اللّه يبغض الحبر السمين وكان حبرا سمينا فغضب وقال : ما أنزل اللّه على بشر من شيء فقال له أصحابه ويحك ولا على موسى ؟ قال : ما انزل اللّه على بشر من شيء فأنزل اللّه « وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ . . . » . وفيه اخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : جاء ناس من يهود إلى النبي ( ص ) وهو محتسب فقالوا يا أبا القاسم ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحا ؟ فأنزل اللّه تعالى : « يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ . . » فجثا رجل من اليهود فقال : ما أنزل اللّه عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئا فأنزل اللّه « وَما قَدَرُوا اللَّهَ . . . »