الشيخ محمد الصادقي الطهراني

59

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الأول والأول هو الثاني حصولًا ! . إن الثراء بلاءٌ للمؤمن لابد منها تمشيةً للحياة الدنيا ، وإنفاقاً على محاويجها ، وأن لا يكون الناس أمة واحدة ، فما أقل المؤمنين الأثرياء أن يكونوا مؤمنين صادقين ملتزمين بإيمانهم ، وما أكثر المؤمنين الفقراء أن يظلوا صادقين ، حتى أن أحدهم قد لا يتقبل الثراء كيلا يبتلى ببلاء الأثرياء . « 1 » ولكن الثراء بنفسها ليست بلاءً ، وإنما لضعاف الإيمان ، فمن قوة الإيمان أن يحاول المؤمن في تحصيل المال توسعة على العيال ، وإنفاقاً للمحاويج ، وتمشية لعَجَلة الحياة الجماعية للكتلة المؤمنة . فالمؤمن بين تزهيد عن الثراء كيلا تلهيه عما يعنيه ، وبين تزويد للثراء لكي يطبق ما يعنيه من صالح الجماعة المؤمنة وصالحه في سبيل اللَّه . فليست الثراء - إذاً - مرغوباً عنها بإطلاقها في ميزان اللَّه ، كما ليس الفقر مرغوباً فيه بهذا الميزان ، فقد « كاد الفقر أن يكون كفراً » ! أو قد يعكس الأمر ولكنما الأكثرية الساحقة أن الثراء بلاءٌ أكثر مما الفقر بلاء ! فليست الغنى لصاحبه كرامة كما ليس الفقر عليه مهانة ، فهما لأصحابهما بلاءٌ وابتلاءٌ : « فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمَّه فيقول ربي أكرمن . وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن . كلا . . » « 2 » ! . « ولولا أن يكون الناس . . لجعلنا لمن يكفر بالرحمن » ولماذا الكفر بالرحمن ، دون اللَّه أو

--> ( 1 ) . نور الثقلين 4 : 601 باسناده عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال : جاء رجل موسر إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله نقي الثوب فجلس إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فجاء رجل معسر دون الثوب فجلس إلى جنب الموسر فقبض الموسر ثيابه من تحت فخديه فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : أخفت ان يمسّك من فقره شيء ؟ قال : لا ، قال : فخفت أن يصيبه من غناك شيء ؟ قال : لا - قال : فخفت ان يوسخ ثيابك ؟ قال : لا ، قال صلى الله عليه وآله : فما حملك على ما صنعت ؟ قال : يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ! ان لي قريناً يزين لي كل قبيح ويقبح لي كل حسن وقد جعلت له نصف مالي فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله للمعسر : أتقبل ؟ قال : لا - فقال له الرجل : ولم ؟ قال : أخاف ان يدخلني ما أدخلك ! ( 2 ) . 89 : 17