الشيخ محمد الصادقي الطهراني

350

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولًاا 72 لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً » « 1 » آية الأمانة هذه منقطعة النظير في عرض الأمانة على الكون فإبائها عن حملها والاشفاق منها وان الانسان حملها « انه كان ظلوماً جهولًا » فما هي تلك الأمانة وما هو عرضها وحملها والإباء عن حملها ؟ الأمانة - بوجه عام - هي كل ما يؤمن عليه ويُطمئَن به مالًا أو حالًا أو عملًا امّاذا من واجب الأداء إلى أهلها كما اوءتمنت وحيث وأنّى وكيفما ، ولا تصدق الأمانة إلّا فيما قُبلت طوعاً أو كرهاً فاداءً لها أم خيانة فيها ، واما التي لم تقبل حتى يؤمن عليها فتؤدى أو تخان ، فلا تحمل اسم الأمانة مهما وجب قبولها أو لم يجب ، وكما وهي مستحيلة بالنسبة للأمور التي ليست لتنفصل عن المؤتمن حتى يأتمن غيره فيها . ثم المقبولة طوعاً كسائر الأمانات أو كرهاً كامانة السماوات والأرض والجبال ومن ضمنها الإنسان ، هي بين محمولة دون رد وبين مؤداة ، فمن طبع الأمانة أداءها لا حملها إلّا لأدائها ، فمن حمَلها فقد خانها : « فان أمن بعضكم بعضاً فليؤذ الذي اؤتمن أمانته وليتق اللَّه ربه » « 2 » « اللَّه يأمركم ان تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل » « 3 » كشريطة من شروط اسلام التكليف ، وباحرى ايمانه : « يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا اللَّه والرسول ولا تخونوا أماناتكم » « 4 » « والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون » « 5 » . وقد تختلف الأمانات وجاه متقبليها في عرضها ، فلا تُعرض أمانة العقل على من ليس يعقل ، ولا أمانة الشعور على من ليس يشعر ، ولا اية أمانة على ما ليس ليحملها ، وهنا « الأمانة » معروضة على الكون كله فكائنة كامنة في الكون كله ، المعبر عنه هنا وفي سائر القرآن ب « السماوات والأرض » وتخصيص الجبال من زمرة غير العقلاء يعني مثالًا لأصلب كائن وأصلده ، كما تخصيص الانسان من زمرة العقلاء يعني اعقل كائن ، فهذه الأمانة من الرحمة الرحمانية بعد الخلق كالهداية العامة : « ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى » ومن الهدى لكل شيء التسبيح « وان من شيء لا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم » وتجمعهما الولاية وكما في رواية . اذاً فليست هي فقط - أمانة العقل إذ تخص العقلاء ، ولا أمانة الشعور إذ تخص الدواب ، ولا اية أمانة تخص كائناً دون سواه ، فهي اذاً أمانة تعم كل كائن هي مخلوقة معه مفطورة فيه ،

--> ( 1 ) . 33 : 72 - 73 ( 2 ) . 3 : 283 ( 3 ) . 4 : 58 ( 4 ) . 8 : 27 ( 5 ) . 23 : 8