الشيخ محمد الصادقي الطهراني
33
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وهكذا يربط الإنفاق بين طوائف من الناس رابطة النسب والسبب ورابطة الرحمة والإنسانية الكبرى ، كل ذلك في إطار العقيدة ، وكلهم يتجاورون في هذه الآية ، متضامنين في رباط التكافل الاجتماعي الوثيق بين بني الإنسان في إطار العقيدة المتين بكل الأطوار . وذلك الترتيب الرتيب في الإنفاق هو قضية الفطرة والعقلية الإنسانية والإيمانية ، فقد يشي بمنهج الإسلام الحكيم في حقل التربية المرابطة بين الأهلين وسواهم ، تلبية لفطرته وميوله الذاتية واستعداده ، دون احساس بالرهق ، أو تكبّل بالسلاسل والأغلال جراً في المرتقى العال قفزة مُكبِتة ، فلا يعتسف به الطريق اعتسافاً ، أو يعصف به اعتصافاً من فوق الآكام ، وانما صعوداً ليِّناً من نفسه واهليه والى كل المحاويج ، فقدماه على الأرض وبصره إلى السماء ، ليحلق بانفاقه وجوده على كل المحاويج بمراتبهم . وكل ذلك في نطاق « العفو » في الإنفاق ، دونما اقتار ولا إسراف ، كما يأتي في آية العفو واضرابها . « وما تفعلوا من خير فان اللَّه به عليم » سواءً أكان من خير المال أم خير الحال ، فالخير خير على اية حال واللَّه به عليم ، وكفى به عليماً وكفى به مجازياً كريماً . فلأن اللَّه به عليم ، وكأنه هو الآخذ لما تنفق ، لأنه هو الذي أمر ، فابتغ فيما تنفق أفضله ، دون منٍّ ولا اذىً ولا رئآء الناس « فإن اللَّه به عليم » . وهكذا اللَّه يصل بالقلوب إلى الآفاق العليا في كل رفق وهوادة ، وفي غير معسفة ولا اصطناع . يسألونك ماذا ينفقون قل العفو « . . . وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ » . « 1 » لقد سألوا مرة « ماذا ينفقون » فجاء الجواب صراحةً في مورده وإشارة إلى مادته : « قل ما أنفقتم من خير . . . » وهنا يأتي الجواب عن نفس الصيغة في السؤال « 2 » « قل العفو » فما هو
--> ( 1 ) . 2 : 219 ( 2 ) . الدر المنثور 1 : 253 - أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس ان نفراً من الصحابة حين امروابالنفقة في سبيل اللَّه أتوا النبي صلى الله عليه وآله فقالوا : إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا فما ننفق منها فانزل اللَّه « ويسألونك ماذا ينفقون . . . »