الشيخ محمد الصادقي الطهراني

317

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

أترى الشيطان يأمر - فقط - بالسوء و . . ؟ ونراه قد يأمر - فيما يأمر - بالخير ! إنَّ أمره بغير السوء هو في الحق أمر بالسوء فأمر سوءٌ ، إذ يتذرعه إغراءً إلى سوءٍ ، كمن يأمره بقراءَة القرآن ، ثم يجمِّده على حروفه ويصرفه عن أحكامه فيصبح صاحبه تالياً للقرآن والقرآن يلعنه . ففي الحق لا يأتي من الشيطان إلّاعملية الشيطنة وعقيدتها مهما أمر في ظاهر الحال بخير ، ثم لا يتمكن الشيطان ، أم أيٌّ كان - أن يأمر بسوء وفحشاء بمقدمات كلها شريرة ، وإنما يخلط حقاً بباطل وباطلًا بحق وهو بدء وقوع الفتن كما يروي عن قاطع الفتن علي عليه السلام : « إنما بدء وقوع الفتن أهواء تُتَّبع وأحكام تُبتدع يُخالَف فيها كتاب اللَّه ويتولّى عليها رجالٌ رجالًا ، فلو أن الحق خلص لم يكن للباطل حجة ولو أن الباطل خلص لم يكن اختلاف ولكن يؤخذ من هذا ضِغثٌ ومن هذا ضِغثٌ فُيمزجان فيجيئان معاً فهنالك استحوذ الشيطان على أولياءه ونجى الذين سبقت لهم من اللَّه الحسنى » . فخير الشيطان شرٌّ إذ يبوء إلى شر ، وشر الرحمن خير إذ يبوء إلى خير « ونبلوكم بالخير والشر فتنة والينا ترجعون » « 1 » . وقد يجرّ الشيطانُ الإنسان من الأفضل إلى الفاضل ليتذرع به لإخراجه إلى غير الفاضل وإلى الشرّ ، أم يجره من الفاضل الأسهل إلى الأفضل الأشق ليشق عليه فيترك الفضل عن بكرته ! « وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَايَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ » « 2 » . وذلك هو الدرك الأسفل من الخطوات العقيدية الإبليسية ، مشاقَّةُ اللَّه في حكمه بحكم الآباء القدامى التقليديين‌و معارضة الدليل بالتقليد الخاوي عن الدليل ، وقبله خطوة الحكم غير التقليدي خلاف حكم اللَّه ، وقبله القول على اللَّه بغير علم دون أية حجة من كتاب أو إثارة من علم قياساً أو استحساناً أما شابه ، وقبله الفتوى دون تفتيش صالح عن دليل ، دركات اربع عقائدية في خطوات الشيطان ، وقبلها أو معها خطوات عملية من سوء إلى فحشاء . هنا « قالوا بل » رفض لاتِّباع ما أنزل اللَّه إلى « ما ألفينا عليه آباءَنا » إتباعاً عملياً

--> ( 1 ) . 21 : 35 ( 2 ) . 4 : 170