الشيخ محمد الصادقي الطهراني
314
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الإنساني الأولي ، دون المنحرف عنه ، المنجرف إلى دركات الحيونة الوحشية التي تستطيب أكل كل ما يمكن ابتلاعه ، مهما كان حشرة ، كما هو الطباع الأوروبية المنحرفة عن إنسانيتها . ثم هي النفوس ككل ، دون كل نفس ، فقد يستطاب أكل شيءٍ عند أشخاص خصوص منحلة عن الجماهير ، أم يُستقذر كذلك ، والمعيار هو الإستطابة الجماهيرية بالطباع الأوّليّة ، حيث الأحكام الشرعية يراعى في تشريعها جمهرة الناس دون الخواص . أترى « مما في الأرض » تبعيض لمأكولات الأرض ، أن : كلوا بعض المأكولات ، ثم « حلالًا طيباً » بيان لذلك البعض ؟ فهما - إذاً - حالان ل « مما في الأرض » أم مفعولان ل « كلوا » ؟ فالآية - إذاً - مجملة بالنسبة ل « حلالًا » إذ لم يبين الحلال مهما عرف « طيباً » بما تعرفناه ! فلنعرف خصوص الحلال مما ففي الأرض ، الطيب ، حتى يُسمح لنا أكله ، فحين نشك في حلّه الخاص لا يحل أكله ، وهذه هي أصالة الحظر ، المطردة بنصوص كقوله تعالى « هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً » « 1 » وقد تنافي - ايضاً - سماحة هذه الشرعة وسهولتها ! أم إن « ما في الأرض » تبعيض لما في الأرض ، فان منه مأكولًا ومنه غير مأكول ، ولم يقيد النص « ما في الأرض » بالمأكول ، حتى يبعَّض بأداته ، فمطلق النص « ما في الأرض » يشمل كل ما في الأرض ، ثم « من » تبعِّضه بالبعض المأكول . إذاً ف « كلوا مما في الأرض » سماح عام لأكل كلِّ ما يؤكل ، فهل إن « حلالًا طيباً » هما مفعولان ل « كلوا مما في الأرض » تقييداً لسماح الأكل ؟ فكذلك الأمر ! حيث الآية - إذاً - مجملة في الحلِّ ، ثم « كلوا من طيبات ما رزقناكم » دون قيد الحل ، و « انما حرم . . » الحاصرة الحرمة فيما حصرت مهما كان نسبيّاً هما لا تساعدان على أصالة الحظر ، أم إجمال الآية في الحِلِّ ! أم انهما حالان ل « مما في الأرض » كما ل « كلوا » كلوا أكلًا حلالًا طيباً ، مما في الأرض حلالًا طيباً ، حلًاّ عاماً كضابطة لأصل الجواز ، وطيباً تقييد لذلك الحل كاوَّل ما يقيد الأكل والمأكول ، وكما تؤيده « كلوا من طيبات ما رزقناكم . . » إذاً ف « حلالًا » حال لواقع الأكل والمأكول على أية حال ، أم إن « طيباً » لها دور « حلالًا » بياناً لأصالة الطيب ، ألَّا يسمح باستقذار مأكولٍ مما في الأرض إلَّاما ترفضه الطباع الإنسانية ، فتصبح « طيباً » أوسع مجالًا مما كان تقييداً ، إذاً فيكفي في حلِّ المأكول عدم استقذاره نوعياً واقعياً ، لا واستطابته كذلك .
--> ( 1 ) . 3 : 29