الشيخ محمد الصادقي الطهراني
260
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فلا قيمة إذاً إلَّا للسعي أم وارتفاع القيمة السوقية العادل ، دون السوق السوداء المختلقة . « وان ليس للإنسان إلّا ما سعى » تحصر عوائد الإنسان بما سعى ، فليس له ما سعاه سواه إلَّا بما سعى قدَره ، مهما كان له من اللَّه ما لم يسع هو أحياناً وسعى آخر « ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون » . فلا يجعل للزمن ثمن لأنه ليس سعياً ، واحتمال أنه إن كان نقداً كأن ينتفع منه بسعيه لا يحتِّم له نفعاً ، وحتى إذا حتَّم فلم يسع ، والتقدير ليس من الواقع بل إنما هو تقدير الواقع . إذاً فتقدير ثمن للزمن ليس إلّا أكلًا بالباطل ، لأن أمره دائر بين احتمال النفع قل أو كثر ، أو الضر قل أو كثر ، أم لا نفع ولا ضر ، فكيف يأخذ بديلًا عن المحتمل على أنه لم يعمل شيئاً وإن كان متأكداً أنه إن عمل ربح كثيراً . فرع : إن أقرض ألف دينار لسنة فسقط الألف عن أصل القيمة لتبدل العملة فهل عليه مثل ما أخذ من الدنانير وقد سقطت عن القيمة ؟ طبعاً لا ، حيث العدل يقتضي أن يدفع إلى الدائن نفس القيمة على أية حال ، وكذلك الحال إذا نقصت الدنانير عن سعرها ، وأما إذا زادت فكذا الحال إذ ليس على المدين إلَّا رد ما أخذ سعراً لاكماً ، فإن أخذ الكم بكيفه الخاص فليرجعها أم الكيف فقط ، والضابطة الثابتة في حقل الإقتصاد هي أن الأصل هو السعر العادل في كل المبادلات ، فمن يدفع نقوداً فإنما يدفع قيمة تمثلت في تلك النقود ، وليست الربا إلَّا زيادة القيمة لا زيادة النقود أو السِلَع من حيث الكم والكيف . « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ » « 1 » . وهذه تنديدة مديدة بآكلي الربا أنهم ليسوا من « الذين آمنوا وعملوا الصالحات » مهما كانوا مؤمنين وعاملين صالحات ، ولا من مقيمي الصلاة ، إذ لا تصح منهم في ظاهرها كما لا تصح في باطنها ، حيث الملابس والأمكنة المغصوبة تبطل الصلاة ، ولا من مؤتي الزكاة ، فإنهم يأكلون الربا فكيف يُؤتون الزكاة ، اللّهم إلّا بحِيَل شرعية ! أماهيه ، فليس لهم - إذاً - أجرهم وهم يحزنون . ذلك ، خلاف أولاء المكارم المؤتين الزكاة وسائر الصدقات فهم أولاء هم المؤمنون المقيمون الصلاة « لهم أجرهم عند ربهم » في كل النشآت « ولا خوف عليهم » عن مستقبلهم « ولا هم يحزنون » عن ماضيهم . « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ » « 2 » . هنا « ما بقي من الربا » كما تعني شأن نزولها مما أسلفوه من رباً ، كذلك تعني حاضر الربا بعينها أم بديلها ، فإن « ما بقي » دون قيد ، تعم ما بقي لهم على المديونين ، وما بقي عندهم مما أخذوه منهم عيناً أم بديلًا ، وكما تفسره « فلكم رؤوس أموالكم » إضافة إلى أنه قضية العدل
--> ( 1 ) . 2 : 277 ( 2 ) . 2 : 278