الشيخ محمد الصادقي الطهراني

254

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

جنب حقوق اللَّه ، إذاً فأمره منتهٍ ، فماذا تعني بعدُ « وأمره إلى اللَّه » وقد أمر اللَّه هنا بشأنه أن « له ما سلف » ؟ ثم « ومن عاد » فيما أخطأ من مثل كبيرة الربا فما فوقها « فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون » إن ماتوا على عودهم ، مهما اختلف خلود عن خلود ، فخلود النار لحكم اللَّه هو بطبيعة الحال أكثر من خلود المقترف لمعصية كبيرة وهو غير ناكر ، وليس الخلود لحدٍّ خاص من الزمن ، حتى يسوّى فيه بين كل العائدين إلى ما سلف من كفر أو كبيرة ، وإنما هو مدة طويلة من الزمن ، وهي تختلف حسب اختلاف تلكم العودات . وقد تعني « ومن عاد » كل عائد إلى كبيرة وعقيدية كما هنا ، « ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا » فكل قائل أن الحلال مثل الحرام ثم يقترفه كحلال ، إنه إذا تاب وانتهى فله ما سلف « ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون » . أو يقال هنا المورد الخاص لمن جاءه موعظة هم القائلون « إنما البيع مثل الربا » وهو كفر ، فيشمل المؤمن المرابي المنتهي بأحرى ، وخلود النار يختص بالكافرين الناكرين لحرمة الربا . ولأن « فانتهى فله ما سلف » تحلِّق على كل زمن التكليف حتى آخر نفَس ، إذاً « فمن عاد » يعني عوداً دون رجوع ، أم عوداً آخر عُمرُه راجعاً إلى ربه على حاله ، فهو الإصرار على ما سلف من كفر أو عصيان كبير ، ومقترف الكبيرة غير النادم عنها ، المصر فيها ، قد لا يكون مسلماً ، أم هو مسلم لأدنى مراحله ويستحق خلود النار ، كما ليس له ما سلف حين عاد « خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين » . وترى إن تاب آكل الربا بما جاءَه من موعظة ، فهل له ما سلف من نقد أخذه وما أسلف ؟ « له ما سلف » إضافة إلى عدم شمولها كأصلٍ للربا ، إنما تخص ما سلف إن شملها ، وأما التي لم يأخذها بعد فليست له قطعاً لقوله تعالى « وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين » ثم « وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم » تجمع الحاضر والمستقبل والسالف في عدم الحلّ ، وإنما « لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون » ثم المأخوذ من الربا المصروف في حاجياته أم سواها ، داخل في « ما سلف » إن لم يبق له عين ولا أثر ، فكما أن من « ما بقي من الربا » حيث أسلفه محكموم ب « ذروا » نصاً ، كذلك ما أخذه منها فيما مضى هو باقٍ بنفسه أو بديله ، إذ « لكم رؤوس أموالكم » فقط وذلكم من أمر اللَّه الذي قال « وأمره إلى اللَّه » . ف « أمره إلى اللَّه » يعم التكوين والتشريع ، فالتكوين هو إرضاء صاحب الحق في القدر