الشيخ محمد الصادقي الطهراني
255
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الذي سلف وفي رأس المال ، والتشريع هو العفو عنهما دون « ما بقي من الربا » فمن أمره « ذروا ما بقي من الربا » و « لكم رؤوس أموالكم » شريطةَ التوبة وعدم العودة ، فليس للعائد إلى الربا لا رأس ماله ولا ما سلف . ف « أمره إلى اللَّه » يعني أمر ما سلف وأمر المنتهي عن الربا ، إذ لم يختم بعدُ أمرهما حتى يُرى هل يعود أم يستمر على إنتهاءِه ، ولكلٍّ من الحالين أمر من اللَّه . فلا تجوز مصادرة كل أموال المرابين وسائر أكلة الباطل فوضى جزاف ، بل تجب رعاية أحوالهم وأموالهم عبر الحق ، فإن كانوا تائبين فكما قال اللَّه ، وإن كانوا مصرين فلهم ما زاد عما أكلوا من الباطل ، فلا تحل أموالهم الخاصة بسبب أنهم أكلوا أموالًا أخرى بباطل ! . إذاً « فله ما سلف » مفسَّرة بغير مال الربا مأخوذةً أم غيرها إلَّا ما أفنى ، وإنما عند الموعظة والتوبة يعفى عنه ما كفر أو أذنب ، ثم لا يصادَر رأس ماله وكان مستحقاً لمصادرته قدر ما أكل من الربا فيما مضى ، فلذلك « فلكم رؤوس أموالكم » تختص بمورد العفو : « وإن تبتم » . إذاً فإن بقي بعدَ « رؤوس أموالكم » شيءٌ من مأخوذ الربا فليُردَّ ، وإن لم يبق « فلكم رؤوس أموالكم » ثم « وأمره إلى اللَّه » فيما أتلف من أموال الربا ، وليس عليه أن يرده من رأس ماله أؤ يتكلف في تحصيله ، وإلى هذه الحالة تتأول الروايات القائلة أن له ما أخذ . « 1 »
--> ( 1 ) . منها صحيحة محمد بن مسلم « دخل على أبي جعفر رجل من أهل الخراسان قد عمل بالربا حتى كثر ماله ثم أنه سأل الفقهاء فقالوا : ليس يقبل منك شيء إلّا أن ترده إلى أصحابه فجاء إلى أبي جعفر عليهما السلام فقص عليه قصته فقال أبو جعفر عليهما السلام مخرجك من كتاب اللَّه عز وجل « فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى اللَّه » « والموعظة التوبة » ( التهذيب 2 : 122 ) . هنا يرده الإمام إلى الآية دون بيان لها ، فالحكم هو المستفاد منها إضافة « ذروا ما بقي . . . » و « لكم رؤوس أموالكم » وذلك رد على « إلّا أن ترده إلى أصحابه » إذ يعني أن كل ما أخذته من ربا يجب رده إلى أصحابه مهما أتلفتها وصرفتها ، وذلك يحلق على أضعاف رأس ماله ، والظاهر من حال الرجل وقاله أنه تائب ، وحكم التائب مبين في هذه الآيات وليس فقط « له ما سلف » بل « وأمره إلى اللَّه » كما أمر في بقية الآيات . ومنها ما رواه الكليني في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال : سألته عن رجل يأكل الربا وهو يرى أنه حلال ! قال : « لا يضره حتى يصيبه متعمداً فإن أصابه متعمداً فهو بالمنزل الذي قال اللَّه عز وجل » ( الكافي 1 : 369 باب الربا ح 3 والتهذيب 7 : 15 رقم 66 ) عن الحلبي عنه عليه السلام . أقول : لا يضره تعني - لأقل ما تعنيه - العقوبة ، ومن ثم وجوب رد ما أخذه ، وهما ضرران « فإن أصابه متعمداً فهو بالمنزل الذي قال اللَّه » قد تعني : « لا يقومون . . . » و « من عاد » فغير التائب ليس له أي عفو أو تسهيل ، فإذا تاب بعد جهله فله ما سلف كما لسائر التائبين وله زيادة أنه ما كان مذنباً حتى تشمله « له ما سلف » وإنما له ما أتلف مما سلف ثم ما بقي يرده حيث الجهل لا يملكه الربا إلى الحاضرة ، وإنما عدم العصيان من ناحية الجهل وعدم وجوب رد ما أتلف من ناحية التوبة . ومنها ما رواه في الكافي عن أبي المعزا قال قال أبو عبداللَّه عليه السلام : كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فإنه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة ، وأيما رجل أفاد مالًا كثيراً قد أكثر فيه من الربا فجهل ذلك ثم عرفه بعد فأراد أن ينزعه فما مضى له ويدعه فيما يستأنف . أقول « فما مضى له » لا تعني إلّا ما عنته « فله ما سلف » ثم « ويدعه فيما يستأنف » قد تعني « وذروا ما بقي من الربا » فيما تعني ، ويكفي في وجوب رد ما بقي أنه لا تشمله « ما سلف » مهما لم تشمله « ما يستأنف » . ومنها ما رواه علي بن إبراهيم في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قد وضع ما مضى من الربا وحرم عليهم ما بقي فمن جهله وسع له جهله حتى يعرفه فإذا عرف تحريمه حرم عليه ووجب عليه في العقوبة إذا ركبه كما يجب على من يأكل الربا . أقول « وحرم عليهم ما بقي » يعني كل ما بقي أخذه أم هو عنده لقوله تعالى : « فلكم رؤوس أموالكم » و « وسع له جهله » لا تعني إلّا فُسحة عن العقوبة وكما تدل عليه « ووجب عليه فيه العقوبة . . » . ومنها ما رواه الكليني في الصحيح عن الحلبي قال أبو عبداللَّه عليه السلام : لو أن رجلًا ورث من أبيه مالًا وقد عرف أن في ذلك المال ربا ولكن قد اختلط في التجارة بغير حلال كان حلالًا طيباً فليأكله وإن عرف منه شيئاً أنه ربا فليأخذ رأس ماله ويرد الربا . أقول : « إن عرف » يعني معرفة البدل إلى معرفة العين ، فقد يكون أكل كل ما أخذه ربا والزيادة هنا من التجارة ، وأخرى أنه بقي منه شيء في المال الحاضر « فليأخذ رأس ماله ويرد الربا » . ومنها ما رواه علي بن إبراهيم في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال : أتى رجل أبي عليه السلام فقال : إني ورثت مالًا وقد علمت أن صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي وقد أعرف أن فيه ربا واستيقن ذلك وليس بطيب لي حلاله لحال علمي فيه وسألت فقهاء أهل العراق وأهل الحجاز فقالوا : لا يحل أكله ؟ فقال أبو جعفر عليهما السلام : « إن كنت تعلم فيه مالًا معروفاً ربا وتعرف أهله فخذ رأس مالك ورد ما سوى ذلك وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً فإن المال مالك واجتنب ما كان يصنع صاحبه » ( نور الثقلين 1 : 294 - 295 ) . أقول : إن كان « إن كان مختلطاً » يعني أن فيه رباً بعينها أم بديلها ولكنها مجهولة وصاحبها معلوم ، فهو خلاف الآية « وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم » فضلًا عن هذا الذي مات غير تائب ، اللّهم إلّا أن يعني أنه مجهول ولا يعرف أهله ، أم وبأبعد تأويل يجهل أن فيما أورثه رباً ، وينافيه قوله : « وقد أعرف أن فيه ربا » وأما تخصيص « فلكم رؤوس أموالكم » أن حرمة ما زاد خاصة بعين مال الربا فمرفوض بنص الآية . ومنها المروي عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه قال : أن رجلًا أربى دهراً من الدهر فخرج قاصداً إلى أبي جعفر عليه السلام - يعني الجواد عليه السلام - فقال له : مخرجك من كتاب اللَّه « فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى اللَّه » والموعظة هي التوبة لجهله بتحريمه ثم معرفته به فما مضى فحلال وما بقي فليتحفظ ( الوسائل ب 5 من أبواب الربا ح 10 ) . أقول : والجهل هنا أعم من الجهالة بل وهي هيه إذ يبعد الجهل بحرمة الربا بعد حوالي قرنين من نزول القرآن ، ويؤيده صحيح الحلبي « كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فإنه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة » ( المصدر ح 2 )