الشيخ محمد الصادقي الطهراني
138
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وكذلك الإنسان ، المبتلى بالنفس الأمارة بالسوء المتخلفة عن الصراط ، وبالعقل الذي قد يخطئ الصراط ، فلا بد له من حَكَمة ربانية تعقل النفس الإمارة ، وترشد العقل والفطرة عن اخطارهما إلى سوي الصراط ، كسائر الحكمة . وقد تربط آية الحكمة بآيات الإنفاق ان الحكمة في الانفاق هي من الخير الكثير فالفطرة حَكَمة ، والعقل حكمة ، ولكنهما لا يكفيان تحكيماً لعرى الإنسانية المتشتتة ، فلا بد من حَكَمة معصومة تعصمنا عن كل الأخطاء ، وتمشِّينا على صراط مستقيم . و « من يشاء » هنا وفي اضرابها تدلنا على أن الحكمة المؤتاة ليست هي الفطرة ولا العقلية الإنسانية ، فإنهما مبذولتان لكل إنس وجان ، ثم وليستاهما « خيراً كثيراً » بل هما قلٌّ بجنب الحكمة الربانية المتعالية ، التي تعصمنا عن كل الأخطاء . هنالك بعد الفطرة والعقل - كحكمتين داخِليتين - يأتي دور حكمة الإيمان ، فالتقوى ، فالعدالة ، ومن ثم حكمة العصمة ، ولا تعني « الحكمة هنا » إلا الزائد عن الأوليين ، على درجاتها حسب المساعي والفاعليات والقابليات . فالحكمة هي بصورة عامة ما تربط صاحبها عن التعثر والتبعثر فطرياً - عقلياً - علمياً - خُلُقياً - عقيدياً - عملياً ، وفي ايٍّ من الحقول الحيوية ، « ولكلٍّ وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات . . . » . فلا تعني « الحكمة » هنا ولا في سائر آياتها العشرين ، الحكمة المختَلقة البشرية ، المتخلفة عن الحكمة الربانية ، فهي على تناقضاتها ، وتخلفاتها عن الحكمة الإلهية ، لا تأهل لتكون من عطيات اللَّه الخاصة ، الموصوفة ب « خيراً كثيراً » بل هي من خلفيات أفكار فلسفية خليطة من الحق والباطل ، غير خليصة عما يناحر الحكمة الحكيمة . وإذا كانت هي حكمة تمنع عن التعثُّر والإنزلاق ، فما هذه التعثرات الشاسعة ، والاختلافات الواسعة بين أصحاب الحكمة البشرية ، فلم تزد هي على كل أبعادها إلا إبعاداً عما تحكمه الفطرة السليمة والعقلية الإسلامية السامية . وليس معلم الحكمة الحكيمة المرضية إلا اللَّه ، ورسل اللَّه بما ارسلهم اللَّه « يتلوا عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم . . » « 1 » فالقرآن هو رأس الزاوية في حقل الحكمة الإلهية في كل بنود الدعوة الرسالية « حكمة بالغة فما تغن النذر » « 2 » .
--> ( 1 ) . 2 : 129 ( 2 ) . 54 : 5