الشيخ محمد الصادقي الطهراني

128

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

« . . فمثله » في انفاقه النفاق ، الحابط في حساب اللَّه « كمثل صفوان عليه تراب . . » . ويا له من مَثَل هو الأمثل في ذلك الانفاق الحابط الخابط « صفوان » : حجر صلب صَلد كما يفسره « فتركه صلداً » فهو الحجر الصافي القاحل الذي لا ينبت عليه اي نابت مهما حمله تراباً ظاهراً طفيفاً ، حيث التراب ينبت إذا اصابه وابل ، ولكنه « فأصابه وابل فتركه صلداً » كما هو في أصله ، مهما تستر بتراب كأنه ينبت « لا يقدرون على شيءٍ مما كسبوا واللَّه لا يهدى القوم الكافرون » . « 1 » فقد مُثل المنفق مناً وأذىً أو رئاء الناس بمَثَل الكافر ، الحابط عمله أياً كان ، فهذا المنفق ليس انفاقه الخاوي الإكتراب على صفوان ، لا ينفع لإنبات ، بل ويزول بوابل يستأصله عن بكرته ، من وابل الحساب في الأخرى ، بوابل المن والأذى والرئاء في الأولى . كذلك الانفاق في غير سبيل اللَّه ، لا يستقر على قلب المنفق الصفوان ، كالحجر الصلد ، مهما ستره بغبار الإنفاق ، فلا يثمر كما ينفق في سبيل اللَّه سبعمائة ضعفاً ، ولا يبقى على ضعفه دون ضِعف ، وانما يحبط في وابل ، وكذلك وابل الحساب ، النازل على قلوب العاملين ، بوابل النية القاحلة في الانفاق . وهكذا ينكشف القلب الصلد الخاوي عن واقع الإيمان يوم الحساب ، انكشاف الصفوان الصلد عن ظاهر التراب ، فلم يثمر خيراً ولم يعقب مثوبة ، اللهم إلا عقوبة لكفره : « واللَّه لا يهدي القوم الكافرين » : كفراً أو كفراناً ، عقيدياً أو عملياً ، فقد شمل الكفر هنا الإنفاقَ مناً أو اذىً ورئاءَ الناس ، من هؤلاء الذين يقولون آمنا وما هم بمؤمنين حقه ! ، فليس « لا يقدرون على شيءٍ مما كسبوا » بل ويعاقَبون بكفرهم وترك الإنفاق الصالح ، ظلمات بعضها فوق بعض ! . فتلك هي الضفة الكافرة بمثَلها الصفوان ، فإلى الضفة المؤمنة الآن : « وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » « 2 » .

--> ( 1 ) . نور الثقلين 1 : 284 في تفسير القمي في الآية وقال : من كثر امتنانه وأذاه من يتصدق عليه بطلت صدقته كما يبطل التراب الذي يكون على الصفوان والصفوان الصخرة الكبيرة التي تكون في مفازة فيجيىء المطر فيغسل التراب عنها ويذهب به فضرب اللَّه هذا المثل لمن اصطنع معروفاً ثم اتبعه بالمن والأذى . . ( 2 ) . 2 : 265